ريشار يتقمص أحلامنا

رغدة حسن في مطبخ دافئ؛ دافئ جدًا، نتكئ على نافذة الصباح أنا وابني ريشار كل يوم، بينما رائحة القهوة تنشر عبقًا مثاليًا، نذهب معها إلى حيث تركنا الذاكرة… نقتات من مطارحها بعضًا من الحب، الدفء، والتوازن، لنرتحل بعد هذا الدفق من سيل الذاكرة إلى المقبل… نراقب الأفق الممتلئ بالمواعيد ويبدأ هو بالحديث عن أحلامه: أحلم أن تتحول هذه الشجرة العظيمة …

لولو

غسان الجباعي حجمها صغير لدرجة أنها إذا عضتك لا تشكّل خطرًا على حياتك. لكنها رشيقة كالقطة، تملك قدرة فائقة على اللعب والهرب والاختباء والمناورة والتربّص بك. كان اسمها “لولو”. كلبة بيضاء كاللؤلؤ، يغطي جسمها صوف كثيف. ومع أنها من فصيلة الثعالب، طويلة الخطم، غير أنها مستديرة الأذنين، لطيفة الشكل، كلعب الأطفال. وهي متوترة وشرسة بشكل مضحك، إذا اقتضى الأمر. عيناها …

ليلة باردة تحت السرير

مصطفى تاج الدين الموسى لم يعرف من أين تأتي هذه الموسيقى، من طيفها الأنثوي الذي يسبح الآن في خياله؟.. يجوز، أم من المذياع فوق طاولته؟ ربما. انتبه له تحت الطاولة فانحنى ليضع أمامه قطعة جبن. ثمّة صداقة غريبة نشأتْ بينه وبين هذا الفأر بداية هذا الشتاء. فجأةً، دخل صديقه سالم الذي يستأجر معه هذه الغرفة، وهو يمسح عن معطفه ما …

قتلتُ المنفى بمذاق الدراق

رغدة حسن وأنا صغيرة السن كنت أخاف من الليل، بسبب حكايات جدتي عن الغول واللصوص والأشباح، وكل مصادر الخوف التي تنشط في العتمة… كنت أغطي رأسي؛ حتى لا أرى خيالاتهم تتحرك في غرفتي. قلبي يطرق بشدة، أشعر بأنفاسهم تقترب من وجهي، أرفع الغطاء ببطء، وأدقق في ظلمة الغرفة فلا أرى شيئًا… وأظل بين النوم والصحو؛ حتى يأتي ضجيج الصباح، يمسح، …

صيفٌ في سروالٍ داخلي

سعاد الخطيب نربّي الخديعة كما نربّي الحمام عاليًا على السطح. نربّي الخديعة كما نربّي النبيذ منخفضًا في القبو. …….. في الطابق الخامس أمضغ رائحة تشرين كمدمني الماريجوانا أدوّر الطَّعم وأدوخ في التراجيديا، التي حشوناها ضحكًا ليسهل على كلينا تمرير ألمه ببساطة، كما يمرر سعر الخبز أمضغُ رائحة تشرين، وأَغصُّ بشمس تموز يا لتشرين الخبيث.. كيف هرّبت قطعة من الصّيف في …

نتوحد في الاحتضار

حسن العاصي ليس سوانا أنا وظلي في ألواح الحكايات نتلوى وننفطر مثل جسد زهرة من بكاء فرشت أهدابها على الكروم لا شيء سواي وحمم الصور تغسلنا الطفولة نستمطر الموت حيث يتمدد قلبي فوق أوراق التوت أنا إن رحلت يا أمي أوصيك ضعوني على جنبي البعيد فوق اللبّادة العتيقة ورتلوا أوراد السوسن قبل أن تغرق عيناي في لوح الكتاب تذكري أن …

إخلاء سبيل

علي الكردي ثلاثون سنة مرّت على الحادثة، دون أن أجد تفسيرًا مقنعًا للسؤال الذي سألته لنفسي عشرات المرّات: لماذا تصرّف معنا على ذاك النحو؟! لم يكن مضطرًا -على الإطلاق- أن يبرر سلوكه، ولا أن يبتسم، أو يكون لطيفًا. (هو الذي ترتعد الفرائص لمجرد ذكر اسمه ولو همسًا): لماذا نهض من خلف مكتبه كي يصافحنا مرحبًّا؟! ثم ضغط على الجرس، فحضر …

ثلاثة وحوشٍ أثريَّة

مصطفى تاج الدين الموسى عزيزي القارئ، لا أنصحك أن تقرأَ قصتنا هذه: خرجتُ ظهرًا من غرفتي، متجهًا إلى المقهى المتواضع القريب، حيث يجتمع فيه كلّ نهار عشرات السوريين من النازحين إلى هذه المدينة التركية الحدودية؛ ليتبادلوا أخبار المعارك في الداخل، وأسعار العملات والسجائر وأنواع الأدوية، ثمّ يختلفوا حول فتاوى الحرب، وكأنهم مرجعيات دينية. شاهدته مصادفة، كان جالسًا وحده إلى طاولة …