«الجهاديون» في سوريا: يتبددون أم يتمددون؟

د. فيصل القاسم – القدس العربي
صحيح أن لكل بلد طبيعته الخاصة، وبالتالي تجربته الخاصة التي لا يمكن أن تنطبق على أي بلد آخر، إلا أن التجارب التاريخية التي سبقت التجربة السورية يمكن أيضاً أن تكون مقياساً لما يمكن أن يكون عليه مستقبل سوريا. البعض توقع أن تنتهي الثورة السورية على الطريقة الجزائرية، ففي الجزائر نجح الجنرالات في إعادة الشعب إلى بيت الطاعة من خلال تخويفه بجماعات إسلامية متطرفة صنعها الجنرالات أنفسهم واستخدموها بعبعاً لإرهاب الجزائريين كي يعودوا إلى حضن المؤسسة العسكرية الحاكمة. وبعد حوالي ربع قرن على اندلاع الأحداث في الجزائر في بداية تسعينات القرن الماضي، اختفت القوى الإسلامية المتطرفة، وحصل الجنرالات على شرعية جديدة غير شرعية التحرير تمثلت هذه المرة في تخليص البلاد من رجس الإرهاب والتطرف الذي صنعوه هم بأنفسهم كي يعززوا سلطتهم، ويـُفشلوا به الانتفاضة الشعبية التي كانت يمكن أن تطيح بنظامهم.
لكن وبالرغم من أن النظام السوري يعمل جاهداً منذ اللحظات الأولى للثورة على تكرار النموذج الجزائري بمساعدة جنرالات الجزائر أنفسهم، وتصوير كل من يعارضه بأنه إرهابي جدير بالاستئصال، إلا أن «العتمة قد لا تأتي هذه المرة على قد يد الحرامي» كما يقول المثل الشعبي، فوضع سوريا قد يكون مختلفاً كثيراً عن الوضع الجزائري، ناهيك أن الزمن غير الزمن الجزائري. إذن تعالوا نحتكم إلى أمثلة أخرى، لعلها تساعدنا في استشراف المستقبل السوري.
لو افترضنا أن الفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا قضت على فصائل الجيش الحر الذي لم يكن له صبغة دينية، وأصبحت تلك الفصائل وجهاً لوجه في مواجهة النظام: هل سيسمح لها العالم بأن تنتصر على النظام، خاصة وأنه يعتبرها متطرفة وإرهابية؟ بالطبع لا. في أفغانستان مثلاً عندما انتصر المجاهدون على نظام نجيب الله الذي كان مدعوماً سوفياتياً، لم يسمح لهم العالم باستلام السلطة، بل ورطهم في حرب ضروس فيما بينهم، فذهبت ريحهم، وتحول الكثير منهم إلى إرهابيين في عيون العالم بعد أن انتهت مهمتهم. ألا يمكن أن يحدث الشيء نفسه في سوريا؟ هل النظام وحلفاؤه منزعجون فعلاً من تقدم الجماعات الجهادية على الأرض، أم إنهم سعداء جداً بتقدمها على أمل أن يتحقق النموذج الجزائري على أيديهم، لأنهم يعرفون أن العالم لن يقبل بتلك الجماعات لاحقاً، وربما يساعدهم في القضاء عليها. وستكون المفاضلة عندئذ بين تلك الجماعات والنظام، بعد أن تمكنت تلك الجماعات من القضاء على الجيش الحر الذي كان يهدد النظام فعلاً، لأنه لم يحمل صبغة إسلامية «متطرفة». ولا شك أن العالم سيقبل بنظام غير ديني حتى لو ارتكب كل جرائم الكون، فقط لأنه يواجه فصائل إسلامية تـُعتبر إرهابية ومتطرفة في نظر المجتمع الدولي.
البعض يخشى في هذه الحالة أن يعود السوريون إلى المربع الأول، بحجة أن البديل للنظام هو بديل إسلامي متطرف لا يقبل به أحد، فيعود النظام الخيار الأوحد للسوريين، وكأنك، في هذه الحالة، يا بو زيد ما غزيت. ولا شك أن النظام لعب على وتر الإرهاب والتطرف منذ اليوم الأول للثورة.
لكن السؤال المهم جداً الذي يمكن أن يقلب الطاولة على الجميع: حتى لو انتهى الصراع في سوريا إلى المفاضلة بين النظام والجماعات الجهادية، من يستطيع القضاء على تلك الجماعات التي اكتسبت خبرة تاريخية في القتال، وسيطرت على الكثير من الأنحاء، وأصبحت أحياناً جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوري، وخاصة في شمال البلاد وشرقها؟ ألم يفشل الجيش الأمريكي نفسه في القضاء على تلك الجماعات في العراق وافغانستان والصومال واليمن؟ ألم يكن لدى الأمريكيين أكثر من مائة وأربعين ألف جندي في العراق وحده، لكنهم لم يتمكنوا من القضاء على جماعة الزرقاوي التي لم تصمد في العراق فحسب، بل امتدت إلى سوريا نفسها في هيئة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يتمدد بسرعة عجيبة؟ ولا ننسى أن حلف الناتو نفسه قاتل حركة طالبان وأخواتها في أفغانستان لمدة ثلاثة عشر عاماً، ثم خرج مهزوماً، لا بل إن أمريكا راحت تتوسل التفاوض مع طالبان، فكيف إذاً يستطيع الجيش السوري الذي أصبح منهكاً جداً وضعيفاً، ولم يعد قادراً على مواجهة تلك الجماعات حتى بمساعدة عراقية وايرانية ولبنانية كبرى وقصف قوات التحالف، ناهيك عن أنه فقد أكثر من ثلثي مساحة البلاد لصالح التنظيمات الجهادية؟ لا عجب أن صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية الشهيرة وصفت سوريا بـ»أفغانستان» المتوسط، بغض النظر عما إذا كان ذلك نتيجة تنامي الظاهرة الجهادية، أو نتيجة استراتيجيات أمريكية مدروسة.
وبناء على هذا السيناريو والتطورات، فهذا يعني أن سوريا مقبلة على صراع طويل الأمد، كما توقع الجنرال ديمبسي قائد هيئة الأركان الأمريكية نفسه، بحيث يصبح الوضع في سوريا أشبه بالوضع الأفغاني والصومالي تحديداَ، حيث تتصارع سلطة ضعيفة مع جماعات مختلفة بين كر وفر لوقت طويل. ولو ظلت الجماعات الإسلامية تحرز تقدماً كالذي تحرزه في الشمال والجنوب والشرق، فلا شك أنها ستصبح القوة الأكثر نفوذاً في سوريا، وربما تدخل العاصمة ذات يوم. من يدري؟ فمن استطاع السيطرة على أعتى المعسكرات في إدلب والرقة ودرعا لن تصعب عليه دمشق لاحقاً. وهذا يعني عملياً سوريا جديدة على الطريقة الصومالية والأفغانية والعراقية، لا سمح الله. إلا إذا حدثت تطورات دراماتيكية لم تكن تخطر على بال، ونجح العالم في تحويل سوريا إلى محرقة لكل تلك الجماعات كما كان الهدف دائماً، حسب رأي البعض.
والعلم عند الله.

٭ كاتب واعلامي سوري

مخيم اليرموك الفلسطيني يغرق في العطش والنسيان

مها غزال -مدار اليوم
يتزايد حصار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق قسوة وهو يدخل عامه الثالث حيث  التضيق على الدخول والخروج و منع المعونات ، وقطع الكهرباء والاتصالات وصولا إلى قطع الماء، وسط غياب لدور منظمة التحرير الفلسطينية، و محدودية حضور الأونروا ، وتجاهل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مسؤولياتها في وقف هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان .

وجاء في تقرير للرابطة الفلسطينية لحقوق الإنسان أن مخيم اليرموك الذي يقع جنوب مدينة دمشق هو أكبر المخيمات الفلسطينية، حيث وصل عدد سكانه 221 ألف نسمة ، يوجد منهم حالياً داخل المخيم حوالي 30 ألف نسمة ، بعد أن نزح معظم سكانه بسبب حالات القنص والقصف وأخيراً الحصار الذي بدأ في الشهر السابع من عام 2012.

بدء حصار اليرموك في 20ديسمبر 2012 بشكل جزئي حيث كان يسمح للأهالي بالدخول والخروج لكن مع تفتيش شديد ومهين بالإضافة إلى تحديد المواد المسموح إدخالها.

وفي العام  الذي يليه تم إغلاق المخيم بشكل كامل تماماً، ومع مرور الأيام اشتدت صعوبة الحصار ، خاصة بعد استيلاء بعض الكتائب المسلحة على المستودعات الغذائية، ثم نفاذ الطحين والحبوب والمستلزمات الطبية وحليب الأطفال وغلاء أسعارها إن وجدت، مما أدى إلى موت أكثر من 170 شخص.

الغارات الجوية التي يشنها النظام السوري شكلت مصدر بؤس أخر لسكان مخيم اليرموك، ولعل أعنفها كان 16ديسمبر2013 حيث استهدف النظام بغاراته الجوية ثلاثة مراكز لإيواء المهجرين مما أدى لسقوط عشرات القتلى .

وأكد التقرير أنه بالرغم من كل هذه العوامل التي تسببت في تدهور الحالة الإنسانية لدى سكان المخيم لم تتحرك منظمات الإغاثة الدولية أو منظمة التحرير الفلسطينية باستثناء ما قامت به الأونروا من توزيع بعض المواد الغذائية في مداخل اليرموك، والتي تسببت باعتقال العديد من سكان المخيم أثناء التوزيع، على الرغم من وعود النظام السوري بعدم المساس بالمدنيين أثناء التوزيع، بالإضافة إلى مقتل آخرين إما قنصاً أو أثناء الاشتباكات التي كانت تجري بين النظام والكتائب.

لم يكتف النظام السوري بكل هذا الحصار الخانق إنما ذهب إلى أبعد حدود في تعزيز حصاره بقطع الماء عن المخيم بالكامل في 8 أيلول2014، مما أدى إلى كارثة إنسانية بكافة المعايير وأصبح شغل سكان المخيم الشاغل هو البحث عن مصادر المياه.

وحاولت المنظمات المدنية الأهلية استعمال آبار المياه القديمة إلا أن هذا الأمر لم يحل المشكلة لأن عدد الآبار لا يغطي 50% من احتياجات المخيم، بالإضافة إلى تكاليف ضخ المياه من البئر التي تصل إلى 30 دولار في الساعة بسبب الإرتفاع الجنوني في أسعار الوقود.

يقول جمال أحد الناشطين المدنيين في المخيم في تصريح للرابطة أنه يقوم بتعبئة مياه الاستعمال كل يوم من أحد الخزانات التي تؤمنها المؤسسات داخل المخيم وهي غير صالحة للشرب، أما مياه الشرب التي وصفها بالكنز الثمين فهي تكلفه الذهاب إلى أحد المناطق القريبة والانتظار نصف يوم حتى يملأ غالون واحد.

وحذر الناشط الحقوقي محمود نصار في تصريح من أن النقص الحاد في المياه سيؤدي إلى انتشار الأمراض خاصة بين الأطفال، كما يؤثر على المشاريع الزراعية التي تقوم بها بعض المؤسسات لسد العوز الغذائي، وأكد أن المسؤول عن حل هذه الكارثة هو النظام السوري كما أن منظمة التحرير الفلسطينية معنية بهذا الموضوع كونها ممثل الفلسطينيين داعياً الأونروا إلى التدخل كونها المسؤوله عن إغاثة اللاجئين الفلسطينيين.

واختتم التقرير بمجموعة توصيات موجهة بها للنظام السوري و الأونروا والصليب الأحمر من أجل العمل على حل مشكلة المخيم.

مع الثورة أم ضد النظام؟

داريوس الدرويش – المستقبل
أثار الخبر حول سقوط/تحرير معسكري النظام في وادي الضيف والحامديّة على يد جبهة النصرة والجبهة الإسلاميّة تباينات في مواقف الناشطين السوريّين المعارضين، تفاوتت بشكل أساسي بين حالتين: إمّا الحزن أو الفرح، وذلك كإجابة على سؤال: ماذا يعني لنا هذا الخبر؟ هل يعني لنا أنّ قوّات الأسد قد اندحرت، أم أنّ تنظيم القاعدة قد تمدّد؟ هل يعني لنا أنّ احتمال اعتقال المدنيّين بحجّة العمالة قد انخفض، أم أنّ احتمال اعتقال وقتل الناشطين المدنيّين بحجّة الكفر قد زاد؟ والأهم، هل يعني لنا أنّ الثورة قد انتعشت، أم أنّها انتكست؟ وعن أيّ ثورة نتحدّث؟ ثورة «الحريّة والكرامة»، أم ثورة «إسقاط النظام»؟

التناقض بين هذين الموقفين كانت سيبدو عاديّاً لو أنّهما صدرا عن جهتين نتوقّع تناقضهما أساساً، كأن يحزن النظام لهذا الخبر وتفرح به المعارضة، أو أن يفرح به تنظيم القاعدة وتحزن المعارضة له. ولكن، هذين الموقفين المتناقضين يصدران، تجاه مسألة واحدة ومحدّدة، عن أفراد يُفترض أنّهم يقفون إلى جهة واحدة (المعارضة). فهل هذا يعني أنّ افتراضنا خاطئ؟ أي أنّ المعارضة ليست جهة واحدة، بل ربّما جهات متناقضة؟

لعلّ الموضوع تجاوز تلك المفاهيم المبهمة حول «المعارضة»، وأنّ التمايز قد ظهر بشكل غير مسبوق. ولعلّ بالإمكان الآن الحديث عن معارضتين: الأولى تُعرّف نفسها أنّها «مع الثورة»، والثانية تعرّف نفسها على أنّها «ضدّ النظام». للوهلة الأولى قد تبدو هاتان المعارضتان مكمّلتين لبعضهما البعض، ولكنّ نظرة أقرب قد تُظهر أنّه من شبه المستحيل الجمع بينهما.

فالمعارضة الأولى (مع الثورة) تؤمن بأهداف الثورة في الحريّة وبناء الدولة المدنيّة والديموقراطيّة… الخ، وتستنكر قيم النظام المتمثّلة في الديكتاتوريّة والعبوديّة والفساد، والتي يمكن أن تمثّلها أيّ جهة أخرى إضافةً للنظام. فهي تريد إذاً أن تبني ماهيّتها وفق شكلٍ ومعايير واضحة ومحدّدة، وليس بأيّ شكل آخر؛ وحين يتمّ تبنّي «البناء» كهدف نهائي للثورة، هذا يعني أنّ «الهدم» (الحرب، الثورة، إسقاط النظام… الخ) سيُشكّل، وفقاً لتلك المعايير، فقط جزءاً من مستلزماتها وليس جوهرها ولا حتّى كلّ مستلزماتها. لذا، فمشروع بنائها – وبالتالي وجوب تمييزها بين الهدم اللازم وغير اللازم – يحتاج، في هذه الظروف الصعبة، وعياً وحساسيّة عاليين لا يحتملان إعماءهما بكره مطلق يمنع رؤية الأخطار الأخرى عدا خطر النظام. وبكلمات أخرى: الثورة قد تنجح فقط حين يخسر النظام (و) حين تخسر المشاريع المشابهة له كالقاعدة وأمثالها، وتفشل (أو تنتكس) بمجرّد أن يربح النظام (أو) تربح القاعدة وأمثالها.

فمن المنطقي إذاً أن ترى معارضة «مع الثورة» في سيطرة «القاعدة«، والقوى الإسلاميّة الرافضة للديموقراطيّة، على معسكري وادي الضيف والحامديّة على أنّها مدعاة للحزن والانتباه، فهذه السيطرة هي تهديدٌ لمشروعها الذي تريد بنائه، وانتصارٌ لمشروع إرهابي تعارضه، بحدّة معارضتها ذاتها لمشروع النظام في الديكتاتوريّة.

أمّا المعارضة الثانية (ضدّ النظام) فهي على العكس تماماً من الأولى من حيث تفضيلاتها ومعاييرها. انعدام المشروع لديها، واقتصاره على هدف واحد هو «المعارضة» (أو «الهدم» في حالة الحرب) يجعل من إجابتها على تلك الأسئلة أسهل؛ فليس المهم من يقوم بالهدم، و ليس من المهم أيضاً، ما ستؤول إليه النتيجة بعد الهدم طالما أنّ النظام مستهدفٌ في الحالتين، وإن لم يكن المستهدف الوحيد، وذلك لسبب رئيسي: أنّ «اللامشروع» ليس له ما يخسره/يتحمّله. لذا فقد كان هذا «اللامشروع» موضوعاً يترجمه النظام إلى «مشروع الفوضى» وينشره باللغات الأجنبيّة. وأيضاً بعكس المعارضة الأولى: تنجح الثورة، وفق معارضة «ضدّ النظام»، فقط حين يخسر الأخير منطقة ما بغض النظر عن من يسيطر (أو لا يسيطر) عليها لاحقاً، في تأييد كامل لمقولة أنّ الفوضى هي نتاج «اللامشروع»، ونتاج النهج النظري لهذه المعارضة، وليست مجرّد نتيجةً عمليّةً لحالة انعدام الدولة ووظائفها، والتي هي بدورها نتيجة مباشرة لإطلاق النظام حرباً على شعبه، يتحمّل مسؤوليّتها النظام فقط، لأنّها نتاج نهجيه النظري والعملي.

لا يختلف الأمر عن هذا حتّى لو اتّخذت تلك التفضيلات والمعايير قناعاً إنسانيّاً، فالمقارنة بين النظام والقاعدة من الناحية الإنسانيّة (إن صح التعبير) يعتمد على تلك التفضيلات بالدرجة الأولى، هي التي ستضعهما في خانة واحدة إن كانت «الحريّة والديموقراطيّة» هي المعيار، أو ستضع «القاعدة« في مستوى أعلى إن كانت لا مشكلة في قتل «الكفرة» و»الصحوات» و»المرتدّين» حين يتعلّق الأمر بهزيمة النظام، أو ستضع «القاعدة« في مستوى أخفض إن كانت لا مشكلة في الديكتاتوريّة حين يتعلّق الأمر بالإسلاميّين.

كذلك، لم يُثبت أصحاب «اللعبة السياسيّة» أنّ استخدام تنظيم القاعدة لمواجهة النظام (عبر ضمّ الأولى إلى «مكوّنات الثورة»)، على مبدأ «عدوّ عدوّي صديقي» هي حلّ عملي، بل لم يستطيعوا حتّى تبرير خساراتهم (خسارات الثورة) على الأرض لصالح العدوّ الثاني المفترض أنّه أصبح «صديقهم»؛ فهل من مبرّر للاستمرار في هذه اللعبة حين يصبحون هم أوّل ضحايا «عدوّ عدوّهم» بدءاً من القامشلي وانتهاءً بدرعا مروراً بـ «ولايات» الرقّة ودير الزور، وأمراء حلب وإدلب وحماة، ومخطوفي دوما الأربعة؟

ماذا إذاً؟ هل سيكون الملجأ هو «الحياد» إزاء هذا الحدث أو أحداث أخرى مشابهة؟ قد يبدو حلاً، ولكنّ الحياد هنا، بالنسبة للسوريّين ومن في حكمهم من أنصار الثورة السوريّة، ليس ممكناً؛ فالحياد هنا هو ليس رفاهيّة الوقوف غير الممكنة «على مسافة واحدة من كلّ الأطراف»، وهو ليس أيضاً رفاهيّة «التجاهل»، بل هو موقف لا يتمّ التعبير عنه، ربّما لعدم الوضوح الكافي لتلك التفضيلات في الأذهان، وربّما، لسبب أبسط، هو الموقف المختبئ نتيجة الخوف من الأحكام المعلّبة والجاهزة؛ فالحزن إزاء هذا الخبر لا يعني، بالنسبة لتلك الأحكام، أنّه حزن أناس على أحلام ثورتهم التي حوّلتها سيطرة «القاعدة« إلى كابوس حقيقي، بل هو بالنسبة لها مجرّد حزن شبّيح (أو في أحسن الأحوال مؤيّد) على تراجع النظام. وكذلك، فالشعور إزاءه بالفرح أيضاً لا يعني أنّه تعبير عن الكره الأعمى للنظام، ربّما لامتلاء الأعين بدماء 300 ألف ضحيّة سقطوا على يديه، بل لأنّ «الداعشي الصغير» المختبئ داخل كلّ معارض قد ظهر، هكذا ببساطة!

( كاتب كردي سوري )

جوع يقتل شعب الحرية – ميشيل كيلو

ميشيل كيلو  – العربي الجديد –
رنّ الهاتف، عندما رفعت السماعة، تناهى إلى سمعي صوت يسألني: هل أنت فلان؟ ما أن رددت بالإيجاب، حتى صرخ بغضب: من نحن بالنسبة إليكم، ذباب أم حشرات، يا كفار يا ظلّام يا أولاد ال… نطلب معونتكم لستة جرحى ثوريين، يرابطون ليل نهار قرب إشارات المرور في الريحانية، لكي يتسولوا ثمن كسرة خبز، فتعطونهم مائتي دولار: ثلاثة وثلاثون دولاراً لكل جريح منهم، مع أن بينهم من فقد عيناً أو ذراعاً، أو يعاني من رصاصةٍ استقرت بين أضلاعه.
سألته قبل أن يستأنف صراخه المحق عن صحة ما يقوله، فرد بلهجة هازئة: تسألني وكأنك لا تعرف ما يحدث. لقد ذهبت إلى فلان، فأرسلني إلى فلان ثان، فطلب مني العودة في اليوم التالي. حين وصلت إلى مقره في الموعد المضروب، وجدت في انتظاري شخصاً أعطاني المائتي دولار. وماذا فعلت؟ سألته. قال بحزن وانكسار: وماذا تعتقد أنني فعلت؟ بصقت عليها وأعدتها إليه، وأنا أرد عن نفسي شبهة التسول.

أرجو أن لا يعتقد أحد أن هذه القصة من نسج خيال مريض، أو أنها نادرة الحدوث، أو جرت لمحدثي دون سواه، الذي رفض إعطائي اسمه صوناً لكرامته، كما قال، وكي لا أظن أنه يشكو إلي أمراً شخصياً. توقف برهة عن الكلام، قبل أن يضيف بلهجة تملؤها الحرقة والمرارة: حولتم ثورة الحرية الى مأساة عامة لشعب يقتله الجوع، يتخلى جياعه عن حريتهم زرافات ووحداناً، ويتحولون إلى معين لا ينضب لـ”داعش” وأشباهها من التنظيمات التي لم يعد لديها مشكلة غير عجزها عن استيعاب دفق المقاتلين الراغبين في الانضمام إليها، بعد أن سُدّت في وجوه الشرفاء والثوريين دروب الأمل، وصار الطعام مشكلتهم، مثلما سدت دروب العدالة والتضامن التي شقتها ثورة الحرية خلال أشهرها الأولى، وجعلت كبار التجار في كل مكان من بلادنا يسلمون مفاتيح مستودعاتهم لمندوبي الحراك، ليفرغوا ما فيها من أرزاق ويوزعوها على خلق الله بالمجان. واليوم، أنتم، ممثلو الشعب وقادة الثورة المزعومون، لا تخجلون من إعطاء ثلاثة وثلاثين دولاراً لثائر فقد ذراعه أو أصيب في صدره، أو فقد عينه، وتتغاضون عن مناضلين صاروا شبيحة ثورة الخيبات المتكررة، وتستهينون بانهيار تضامنكم مع الشعب، وبالوهن الذي أصاب عزيمة ثوريين كثر، وجعلهم يلجأون إلى حلول أملاها عليهم موقف مبدؤه: “اللهم أسألك نفسي”، و”أنا وليكن بعدي الطوفان”. أرغمهم على الاستسلام له ما يعانونه من عجز ويأس، ويواجهونه من محن، افتقروا، في بدايتها، إلى السلاح، ثم إلى الذخيرة، وأخيراً إلى الطعام، قبل أن يجبرهم التجاهل والإهمال على التشبه بشبيحة النظام، وفي أحيان ومناطق معينة، بقتلته، أو على هجر الثورة وقيمها والانضمام إلى الدباحين وقاطعي الرؤوس والممثلين بجثث ضحاياهم، وصولاً إلى الإرهاب، لأنكم لم تكترثوا بمن قتل الجوع إنسانيتهم، وأجبر كثيرين منهم على الابتعاد عن الثورة، أو الهجرة إلى السلاح والمال والطعام و”الجهاد”، مع أنه كان، منذ بدايته، معادياً لثورة الحرية ولقيمها، وسرعان ما انتقل إلى قطع رؤوس حملتها، دونما وازع من دين أو إيمان.

كنا في ثورة حرية وعدت بقتل الجوع، فصرنا في جوع يقتل الحرية ووعدها، ويقضي عليها في النفوس. بينما وقفتم تتفرجون كائتلاف ومجلس وطني على المأساة الزاحفة، من دون أن تفعلوا شيئاً لوقفها، أو للحد من نتائجها الكارثية على الشعب، أو ينتبه أحد من أصدقائكم إلى دور سلاح الجوع في قتل ثورة الحرية وتدمير حملتها، على الرغم من أن النظام استخدمه بكثافة، وفي كل مكان، وحقق به نتائج عجزت عنها أسلحته الحربية الفتاكة.
بعد دور الجوع في استسلام الأفراد للأمر الواقع، يبرز اليوم دوره في قتل الشعب: حاضنة الثورة التي لن تتحقق حرية بدونها، وغدا إنقاذها مهمة المهام بالنسبة إلى أي وطني سوري، أينما كان موقعه ودوره، وإلا كنا ممن قاموا بثورة من أجل الشعب، لكنهم تركوا الثورة فماتت، لأنه لم يبق فيها شعب.

«الخطاب السعودي» مع نهاية العام 2014

مصطفى اللباد السفير:22/12/2014
شكل «الخطاب السعودي» الإسلاموي المحافظ أحد أمضى أسلحة المملكة العربية السعودية في مواجهة خصومها العقائديين والإقليميين، وعكس إلى حد كبير نظرة السعودية لنفسها في المنطقة والعالم. وإذ تحرك «الخطاب السعودي» صعوداً وهبوطاً لمواجهة التحديات الإقليمية والأيديولوجية خلال الفترة الممتدة منذ تأسيس المملكة العام 1932 وحتى الآن بنجاح متفاوت، إلا أن التطورات الإقليمية شكلت دوماً التحدي الأكبر لهذا الخطاب، فقلصت تدريجياً من دوائر نفوذه إلى حدودها الراهنة. ومع نهاية العام 2014، لا يبدو «الخطاب السعودي» في أحسن حالاته. إذ إن التطورات الإقليمية الممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي حتى الآن، أنهكت هذا الخطاب بمرور الوقت وتعاظم التحديات، وجعلت رقعة تأثيره أضيق، فأصبح محشوراً في مساحة خطابية – سياسية أصغر كثيراً عما كانت عليه الحال في فترات سابقة. وتكفي مقارنة «الخطاب السعودي» مع نهاية العام 2014 بذات الخطاب عند أوج صعوده في السبعينيات من القرن الماضي، لنتبين الفارق الضخم والكبير، والمأزق الذي يعيشه في مواجهة التطورات الإقليمية والأيديولوجية في المنطقة.
الخصوصية البنيوية و«الخطاب السعودي»
لم تتأسس السعودية كدولة على هوية وطنية ما أو حتى على انتماء جغرافي محدد أو على أساس إثني مقترن بالسيطرة على رقعة جغرافية معلومة، مثل جمهوريات المشرق العربي (العراق وسوريا والأردن ولبنان) على مشاكلها التأسيسية والبنيوية، بل ظهرت «المملكة السعودية» إلى الوجود بعد نجاح آل سعود في تأسيس ملكية وراثية إسلامية على أراضي شبه الجزيرة العربية في نجد والحجاز، بفضل التحالف بين محمد بن عبد الوهاب (مؤسس الوهابية) وآل سعود. وإذ فشلت المحاولات الأولى والثانية لآل سعود والوهابيين في تأسيس مملكتهم، بسبب التدخل المصري في عصر محمد علي؛ الذي أنهى الطموح السعودي في نجد في الأعوام 1818-1822 وأيضاً خلال الفترة الواقعة بين 1838 و1843، فقد نجح آل سعود بالتحالف مع آل عبد الوهاب أيضاً في الاستيلاء على الحجاز في العام 1925 منهين الحكم الهاشمي فيها، وأخضعوا بحد السيف القبائل المتمردة في المناطق المختلفة تحت سيطرة آل سعود وبغطاء ديني وهابي، فأعلنوا المملكة السعودية العام 1932. شكل «الخطاب السعودي»، بذرة ومضمون الحكم وتوجهاته. وفق ذلك المقتضى، اعتبرت الدولة السعودية الدين أهم مكون من مكونات هويتها، وتأتي بعده الهوية المناطقية للسكان في المرتبة التالية، وساعد على تثبيت تلك التراتبية الهوياتية وجود الحرمين الشريفين على أراضيها.
التحديات الإقليمية «للخطاب السعودي»
ظهرت أولى التحديات «للخطاب السعودي» مع بروز حركة القومية العربية التي قادها جمال عبد الناصر من القاهرة. ولم تكن السعودية قادرة بالرغم من عوائد النفط على الوقوف خطابياً بوجه انبعاث الوطنيات القادم من القاهرة ومعها دمشق وبغداد. فقامت السعودية بتنصيب نفسها ممثلة للإسلام في المنطقة والعالم. واعتبر الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز أن «حماية الدين وتعزيز التضامن بين المسلمين هو علة وجود المملكة». ومع الهزيمة العسكرية التي لحقت بالمشروع الذي قاده جمال عبد الناصر العام 1967، كانت الأبواب مشرعة أمام السعودية لتعزيز هيمنة خطابها على المنطقة. وقتها اندفع «الخطاب السعودي» ليطبع منطقتنا بطابعه، وشكلت مفردات مثل «الأمة الإسلامية» و «السعودية الدولة الوحيدة في العالم المحكومة بمبادئ الشريعة الإسلامية» أمضى الدروع السعودية في مواجهة خصومها الإقليميين والأيديولوجيين. وبالتوازي مع هذا الخطاب المحافظ، فقد دانت للسعودية في السبعينيات من القرن الماضي سيطرة كاملة على الفضاء الإعلامي العربي في داخل الوطن العربي وخارجه عبر استخدام متقن للعوائد النفطية الضخمة. وتم ذلك بالتوازي مع نفوذ كبير في «اللوبي النفطي» داخل الولايات المتحدة الأميركية، فشكل الثلاثة: الخطاب والهيمنة الإعلامية والنفوذ داخل أميركا مثلث القوة السعودي في المنطقة؛ ذلك القائم على تسييد خطاب إسلاموي غارق في محافظته الاجتماعية والسياسية، يخاصم ببنيته ومضمونه مختلف أشكال الأطروحات التحديثية والتقدمية في العالم العربي. ومع انتصار الثورة الإيرانية العام 1979 وانبعاث خطابها الراديكالي، فقد كانت السعودية على موعد مع مواجهة فكرية وخطابية ثانية بعد العروبة الناصرية، عبر خطاب منافس نال من ارتباطات السعودية الدولية مع أميركا وتحدى زعامتها لـ «العالم الإسلامي»، ولكن من الموقع الإسلامي ذاته. ساعتها تقلص «الخطاب السعودي» من تمثيل «الإسلام» في العالم، إلى مجرد تمثيل «الإسلام السني» في العالم، واضعاً متاريس عقائدية وأيديولوجية جديدة ومنسحباً من مواقع خطابية وفكرية سبق وأن اعتقد بامتلاكها.
«الربيع العربي» والخطاب السعودي
بنى «الخطاب السعودي» على تمايز غريمه الإيراني مذهبياً؛ فأصبح الصراع الإقليمي بين الرياض وطهران مدموغاً بالصبغة المذهبية والمواجهة السنية – الشيعية في ساحات الصراع المختلفة. وحشد «الخطاب السعودي» إمكاناته الإعلامية والفقهية، وتمدد النفوذ الوهابي إلى مؤسسات إسلامية أعرق في المنطقة مثل الأزهر الشريف في عهد حسني مبارك، في محاولة بدت ناجحة لتعميم الاصطفاف المذهبي على عموم المنطقة. وبرغم ظهور دول خليجية أخرى مثل قطر بأدوات إعلامية نافذة هددت إلى حد ملحوظ الهيمنة الإعلامية السعودية على المنطقة، إلا أن «الخطاب السعودي» بقي متماسكاً إلى حد ما برغم من زلازل كبرى: أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 ومشاركة 15 مواطناً سعودياً من أصل 19 مهاجماً فيها، ثم احتلال العراق في العام 2003 وحرب لبنان العام 2006. ساعتها نجحت السعودية عبر «اللوبي النفطي»، وديبلوماسيتها العامة النشطة، ودعوات «حوار الحضارات»، وبتجنيد إمكانات مالية بالغة الضخامة، في ترميم بعض من الصورة السعودية في المنطقة والعالم. لكن «الخطاب السعودي» كان على موعد مع تحد ثالث بحلول «الربيع العربي». وتمثل ذلك التحدي بقفز جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السلطة في مصر، بدعم أميركي وخليجي (قطري) وإقليمي (تركي). ومغزى التحدي هنا أنه يأتي من «المعسكر السني» ذاته الذي سيّجه «الخطاب السعودي» وأعلنه منطقة محررة في مواجهة «المعسكر الشيعي» الذي تقوده إيران.
تربت قيادات «الإخوان المسلمين» في كنف السعودية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي إبان المرحلة الناصرية، واحتضنت السعودية «الإخوان المسلمين» كرديف أيديولوجي يناصب الناصرية والشيوعية العداء ولا يضع تحالفها الدولي موضع المناقشة. ومع صعود أنور السادات إلى حكم مصر في العام 1970، فقد كانت السعودية، عبر كمال أدهم صهر الملك فيصل ورئيس الاستخبارات السعودية، هي الضامن لتحالف السادات مع «الإخوان المسلمين» بغرض تصفية المواقع الناصرية واليسارية في مصر. بدورهم، خطا «الإخوان المسلمون» خطوات فكرية كبرى لملاقاة السعودية، وأجروا تحولات فكرية فصلها الباحث الإسلامي الراحل حسام تمام في أطروحته «تسلف الإخوان». لكن صعود الدكتور محمد مرسي إلى الحكم في مصر العام 2012، مثل مأزقاً من نوع جديد للسعودية، بسبب أطروحات «الخلافة الإسلامية» التي رفعتها الجماعة، والتي تعني ضمناً انضواء الأقطار المختلفة بما فيها السعودية تحت لواء الخلافة. ساعتها انزاح «الخطاب السعودي» أكثر فأكثر من مواقعه باتجاه السلفيين، الذين تحالفوا في مصر ضد «الإخوان المسلمين»، ما مهد لإطاحتهم من السلطة صيف العام 2013، في تطور كانت السعودية أول المرحبين به. على المنوال ذاته يأتي ظهور «داعش» في سوريا والعراق، والفظائع التي ترتكبها هناك بمثابة تحد – بشكل أو آخر – «للخطاب السعودي». فمن ناحية تنخرط السعودية في التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش» حفاظاً على تحالفها الدولي مع واشنطن، ومن ناحية أخرى لا تبدو مفاعيل ومنتجات المفرخة الوهابية لأشد الحركات السلفية والجهادية تطرفاً في المنطقة قابلة للتبرير. ولعل تصريح جو بايدن نائب الرئيس الأميركي بخصوص الارتباط بين «داعش» والسعودية الدليل الأوضح على معضلة التوفيق بين التحالف الدولي مع أميركا واللازم لبقاء المملكة في مواجهة التحديات الإقليمية؛ وفي الوقت نفسه محاولة الحفاظ على القيادة الفكرية والخطابية في مواجهة أشد التيارات عنفاً ودموية في المنطقة.
الخلاصة
يواجه «الخطاب السعودي» تحديات ضخمة مع نهاية العام 2014، إذ تنحسر بمرور الوقت رقعة نفوذه من «العالم الإسلامي» في الفترة من 1932 وحتى 1979 إلى «العالم السني» في الفترة من 1979 وحتى 2011، ومنذ العام 2012 تنحدر رقعة النفوذ إلى نطاقات سلفية أكثر ضيقاً مع صعود حركات مثل «داعش» و «النصرة»، التي يصعب على أي خطاب مهما امتلك من براعة إنكار قرابتها ونَسَبَها إلى المصدر نفسه. لا تبدو السعودية أمام أخطار وجودية مباشرة في العام الجديد داخلياً أو خارجياً، ولكن الجراحات التجميلية المطلوبة الآن لشدشدة وجه «الخطاب السعودي» بغرض تعويم التحالف الدولي للسعودية وترميم صورتها في المنطقة كما حدث بعد زلازل كبرى سابقة لن تكون سهلة هذه المرة؛ إذ يبدو «الخطاب السعودي» مؤبداً في مساحة خطابية ومذهبية أضيق كثيراً مما هو لازم لعمليات التجميل!

رئيس شرطة داعش تونسي !

يعيش تنظيم الدولة الاسلامية حالياً , سباقاً مع الوقت لبناء منظومته الحاكمة وفرض كامل سيطرته العسكرية والدينية والإدارية والإجتماعية والاقتصادية على المناطق الواقعة تحت حكمه , ويضع التنظيم في رأس أولوياته الحالة الامنية في المنطقة خوفاً من وقوع طارئ يبعثر أوراقه ويقلب عليه الطاولة من جديد , لذلك يركز التنظيم وبشكل كبير على النواحي الأمنية ,في مناطق سيطرته .

 ولأجل ذلك , أنشأ التنظيم جهازاً أمنياً اخراً , أطلق عليه اسم ( الشرطة الاسلامية ) , إلى جانب جهاز الحسبة سيء الصيت , ليكون قبضة أخرى يشدد بها الخناق على الأهالي ويضرب بها من تسول له نفسه التفكير في الوقوف في وجه طموحات التنظيم ودولته الوليدة .

وقد عين التنظيم شخصاً تونسي الجنسية من قاداته رئيساً لجهاز الشرطة , التي تضم في صفوفها الكثير من الأجانب والمحليين السوريين , من أصحاب السوابق والأخلاق السيئة , الذين كانوا قد سارعوا في وقت سابق , إلى إطالة لحالهم و مبايعة التنظيم عندما احتل المدينة .

ومع القبضة الأمنية الشديدة التي فرضها الجهاز الجديد , أصبح انعدام الأمان السمة الأساسية لأحياء مدينة ديرالزور , فانتشرت سرقة المحلات التجارية والدراجات النارية وخصوصاً في أوقات الصلاة , حيث تنتشر دوريات التنظيم وحدها في شوارع المدينة لتجبر الأهالي على الدخول الى المساجد واعتقال من يخالف هذا الامر , ويعد أن تخلوا الشوارع لهم , يبدأون بالنهب والسرقات والاعتقالات كما يحلوا لهم .

ويتعرض أغلب الذين يتم اعتقالهم فمن قبل جهاز الشرطة الاسلامية لأصناف مختلفة من التعذيب , من ضرب وجلد , ضمن ظروف إنسانية سيئة جداً داخل معتقلاتهم .  

ومن الجدير بالذكر أن معظم الذين يعملون في جهاز الشرطة من العناصر المحليين , يتعاملون مع الأهالي بصيغة الانتقام والتجبر , فالويل لمن كان له مشكلة مع أحد عناصر الشرطة , في جهاز تأسس على الواسطة والمحسوبيات , وتلفيق الاتهامات بناءً على الحسابات الشخصية بين عناصر الشرطة والأهالي , فمن اتهامهم بالتدخين الى اتهامهم بتضييع الصلاة الى التآمر على الدولة الإسلامية وغير ذلك من التهم .

ومن الممارسات التي باتت شائعة جداً , لدى عناصر جهاز الشرطة , مداهمة المحلات التي تبيع ( الدخان ) ومصادرة ما فيها ومن ثم إعادة بيعه بأسعار عالية تصل الى ضعف سعره في خارج المدينة , بعد اعتقال أصحاب المحلات بتهمة المتاجرة بالدخان وتهريبه عبر سياراتهم .

فاليوم , بات مشهد سيارات الشرطة وسيارات الحسبة , وشعور الأهالي تجاههما , يشبه مشهد سيارات النظام وما كانت تمارسه من إرهاب وإعتقالات تعسفية , قبل و بعد قيام الثورة .

ومن الممارسات الأخرى التي اشتهر بها جهاز الشرطة , بعد تشكيله بوقت قصير , استيلائه على إحدى المشافي التي كانت مغلقة في المدينة , وتحويلها إلى مقر وسجن دائم لهم , وحين حاول المسؤول عن المشفى رفع الأمر إلى جهات أعلى من قيادة التنظيم لاستعادة مشفاه , قام عناصر الشرطة بتهديده بشكل غير مباشر , مما أجبره على التراجع عن فكرة تقديم الشكوى ضدهم , وترك المشفى لهم فعاثوا فيه فسادا ً وسرقوا الكثير من محتوياته .

وتحتوي صفوف عناصر الشرطة على أطفال تتراوح أعمارهم بين ال11 وال15 سنة , ويتم  استخدامهم للحراسة وعلى الحواجز , نتيجة طاعتهم العمياء (بهذا العمر) ونزاقتهم مع الأهالي .

وقد انتشرت في الايام الماضية بعد تشكيل جهاز الشرطة , ظاهرة سرقة المحال التجارية في المدينة .

حيث سرق أكثر من 15 محل تجاري خلال الأيام القليلة الماضية , وغالب السرقات كانت تتم في أوقات الصلاة , حيث يجبر تنظيم الدولة الاسلامية أصحاب المحال على إغلاق محلاتهم لمدة 20 دقيقة ابتداءاً من  لحظة رفع الاذان .

وتنوعت المحال التي تعرضت للسرقة , بين البقاليات ومحال الموبايلات ومحال بيع الخضار , ومعظم المحال المسروقة كانت في شارع التكايا الذي يعتبر السوق الرئيسي في مدينة ديرالزور الخاضعة لسيطرة التنظيم , والذي يضج دائماً بالحياة والأهالي .

ولتسهيل السرقات , تقوم دوريات تابعة للتنظيم باعتقال أي شخص يكون في الشارع وقت الصلاة بحجة تخلفه عن الجماعة .

ويتهم بعض أصحاب المحال المسروقة , عناصر من جهاز الشرطة التابع للتنظيم بسرقة محالهم, حيث كان لبعضهم سوابق في عمليات السلب والنهب , وحين دخل التنظيم أطلقوا لحاهم واأصبحوا عناصراً في أجهزته الامنية , 

ويرد عناصر الشرطة على هذه الاتهامات , باتهام بعض النساء المبرقعات بسرقة المحلات , بحجة أنهن الوحيدات القادرات على التجول في الشوارع بحرّية في أوقات الصلاة .

وبين الأخذ والرد وكيل الاتهامات , تستحيل الحياة في دير الزور تحت سلطة التنظيم , إلى جحيمٍ لا يطاق , يبشر بثورةٍ ستحرق كل من حولها .

قائد الجبهة الجنوبية : المقاتلين غير السوريين هم قوة احتلال

أكد أحد قادة الجبهة الجنوبية الرائد “أبو أسامة الجولاني” أن 35 ألف عنصر من 51 تشكيل وفصيل في المنطقة الجنوبية باتوا في جبهة عسكرية واحدة موحدة، أطلقت رؤية وخطة متكاملة للفترة  الانتقالية التي سوف تلي سقوط النظام.

وقال “أبو اسامة” أن قيادة “الجبهة الجنوبية” تدعو إلى حماية جميع المواطنين السوريين، وممتلكاتهم الخاصة، دون تمييز في الدين أو الثقافة أو العراق أو الانتماء، كما تدعو للحفاظ على مؤسسات الدولة السورية بما في ذلك الوزارات والمؤسسات العسكرية، فضلاً عن ضمان سلامة البنية التحتية الاقتصادية والخدمية للدولة.

وأشار أن هذا المشروع  الذي يضم 51 تشكلي وفصيل لا يضم فصائل أو تنظيمات إسلامية مثل جبهة النصرة، وقال أنه مشروع السوريين المعتدلين، وأنه اللون الأخضر الذي سوف يسود على اللون الأسود.

وأوضح “أبو اسامة” أن التحضير والإعداد لهذا المشروع بدأ نظرياً منذ أكثر من سنة ونصف، وأن الفصائل والتشكيلات في الجبهة تتفق على وجوب الحل السياسي، وعلى ضرورة حماية أبناء الاقليات، وأن هدفها هو إسقاط النظام، والوصول إلى دولة العدالة، وليس الفتك بالسوريين أو تهديم سورية.

وقال: نحن متفقون على اسقاط النظام ولكن لا نريد أن نسقط المؤسسات السورية، لأن المؤسسات السورية هي مؤسسات لكل السوريين، بما فيها الجيش ومعسكراته التي سوف نسعى للحفاظ عليها، وعلى كل مواطن سوري.

وأردف “أبو اسامة” أن الجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر تعتزم تحويل نفسها من مؤسسة عسكرية إلى قوة ودفاع مدني للمساهمة في تاسيس الشروط المناسبة لتحقيق انتقال سياسي في سوريا. وأن الاهداف الرئيسية لقوة الدفاع المدني تشمل حماية جميع المواطنين، والحفاظ على كافة مؤسسات الدولة، إضافة إلى تأمين البنية التحتية لتحقيق الازدهار الاقتصادي للبلاد. وأن القيادة المشتركة للجبهة الجنوبية تقوم في الوقت الراهن بتجهيز نفسها للحظة الانتقال، وهي ملزمة بتطبيق خطة مفصلة لليوم التالي لسقوط النظام من أجل حماية مدينة دمشق، مقر الحكومة، ومنع عمليات النهب وحفظ سلامة المواطنين، والموظفين الحكوميين، واستمرار المؤسسات الحكومية في أداء عملها على أتم وجه.

أما في المرحلة الثانية، فإن الجبهة الجنوبية ستدعم إدارة انتقالية لتوجيه المرحلة الانتقالية، لخلق أرضية مناسبة تحضر للانتخابات. وخلال تلك المرحلة ستكون “الجبهة الجنوبية” قد تحولت إلى قوات الدفاع الوطني، تقدم الدعم للحكومة الانتقالية التي سيقودها التكنوقراط الذين ستنتهي ولايتهم حال إتمام المرحلة الانتقالية المؤقتة.

وتضمت رؤية “الجبهة الجنوبية” للمرحلة الانتقالية وتعطيل الدستور الحالي فوراً، والعمل على استبداله بدستور عام1950م، كدستور مؤقت إلى حين صياغة دستور دائم للبلاد، والمصادقة عليه خلال استفتاء شعبي.

وأضاف “أبو اسامة” أنه لا يجب إقصاء أي موظف حكومي على رأس عمله. ويجب أن تكون الإدارة الانتقالية متاحة لانضمام كبار الموظفين الحكوميين المنشقين الذين عادوا إلى البلاد للمشاركة في إعادة الإعمار.

ونفى “أبو اسامة” أن يكون هناك حضور عسكري كبير لجبهة النصرة في المنطقة الجنوبية، وقال أن الإعلام قام بتضخيم تواجد جبهة النصرة في جنوب سوريا، وأن القوة الحقيقية في الجبهة الجنوبية، هي للجيش الحر، مؤكداً أن الجبهة الجنوبية تضم كافة الفصائل والتشكيلات المقاتلة في المنطقة الجنوبية بدون استثناء سوى التنظيمات الإسلامية.

وقال: “نحن العسكريين تعهدنا بأنه لن يكون لنا أي دور سياسي  بعد المرحلة الانتقالية، وهذا عهد واتفاق وأننا سنقف إلى جانب الشعب في اختياره ، وأننا لسنا بدلاً عن  الائتلاف  أو أي تشكيل سياسي معارض، وأننا لا نرمي إلى إقصاء الائتلاف، بل هدفنا هو إيقاف المآسي، ونتعهد بعدم اغتصاب السلطة، أو عدم الوصول إلى السلطة”.

وحول موضوع اللاجئين، قال :”انهم من أهم المواضيع التي تؤرقنا، وستكون هناك مشاريع لإعادتهم، إلى   إلى مناطقهم”.

ودعا “أبو اسامة” في ختام كلامه جميع المقاتلين الغرباء إلى مغادرة سورية دون استثاء، وقال:” التنظيمات أو المليشيات التي تقاتل في سوريا هي تنظيمات محتلة”، وطالب كل من جاء إلى سوريا لمشروع غير سوري، أن يغادر سوريا وأن يترك شأن البلاد لأبنائها ولأهلها، فسورية للسوريين.

وأصدرت قيادة الجبهة الجنوبية في الجيش السوري الحر البيان رقم “4” في العاشر من شهر كانون الأول الجاري، والذي تضمن رؤية متكاملة ومفصلة للجبهة حول للمرحلة الانتقالية التي سوف تشهدها سوريا بعيد زوال النظام.

وجاء في بيان “الجبهة الجنوبية” أنه لضمان الحيادية في المرحلة الانتقالية، ستقوم الإدارة الانتقالية بتوجيه نداء فوري إلى الأمم المتحدة من أجل تشكيل “مكتب المرحلة الانتقالية السورية” في دمشق، وتعيين مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة باسرع وقت ممكن.

واعتبر البيان أن إنشاء هذا المكتب حاجة ملحة لتقديم المشورة للإدارة الانتقالية، وتنسيق المساعدات الخارجية، وتحديد الاحتياجات الرئيسية للعملية الانتقالية.

وكانت “الجبهة الجنوبية” في الجيش السوري الحر أطلقت وعداً لإنهاء عهد الدكتاتورية وتحقيق آمال السوريين في الحرية والكرامة والمساواة، وتعهدت الجبهة في بيان سابق لها ، بحسم “معركة السوريين ضد نظام الطغيان ووضع حد للحرب التي دمرت بنانا التحتية ونسيجنا الاجتماعي بأسرع ما يمكن وبأكثر الطرق إنسانية، وتحرير كل مكوّنات شعبنا السوري من ربقة الطغيان، بغض الطرف عن الجنس أو العرق أو الدين”.   كما تعهدت بـ “الدفاع عن وحدة سوريا أرضا وشعبا وحماية حقوق السوريين وفقا للشرعة الدولية لحقوق الإنسان وتأمين وحماية الأملاك العامة والخاصة ومؤسسات الدولة السورية، لكي نحافظ على القيم والمبادئ التي انطلقت من أجلها ثورتنا”.

النظام السوري والقضية الفلسطينية.. سنوات المتاجرة في ساعات البيع

«عندما كنت في بيروت أخرجني شارون.. وها هنا شارون يخرجني مرة أخرى من دمشق»، هذا ما قاله الرئيس الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات» عام 1983 في تعقيبه على قرار الرئيس السوري آنذاك «حافظ الأسد» بطرده من دمشق، مضى عرفات قبل أن يرى نكبة شعبه الجديدة في سوريا، لكن هذه المرة على يد الأسد الابن. شاهد فيديو

احتكر نظام الأسد (الأب والابن) القضية الفلسطينية سياسيًا وعسكريًا وعقائديًا على مدى 40 عامًا، لاستخدام هذه الورقة في حسابات الداخل وبازارات الخارج ولتحقيق التوازنات التفاوضية والابتزازات الإقليمية، ليضمن بذلك بقاء نفوذه في المنطقة، عبر احتواء الفصائل الفلسطينية الفاعلة بالقوة و «الغدر» تارة، وبالنفوذ والسلطة تارة أخرى، مستندًا إلى ذلك على وجود كتلة بشرية كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في سوريا، والذين بلغ عددهم حوالي 600 ألف شخص قبل بدء الثورة السورية عام 2011.

 زج القضية الفلسطينية في أتون الصراع السوري..

بدأت مبكرًا عملية إدخال الفلسطينيين في «المطحنة السورية»، من خلال اتهامات مستشارة رئيس النظام «بثينة شعبان» للفلسطينيين بالوقوف وراء المظاهرات الأولى التي شهدتها الثورة في مهدها بدرعا، لينطلق بذلك قطار المعاناة والتخوين من قبل طرفي الصراع في سوريا من درعا مرورًا بالرمل الجنوبي في اللاذقية وصولًا إلى محطته الكارثية في مخيم «اليرموك».

«رامي مخلوف» ابن خال «بشار الأسد» كان أكثر وضوحًا وصراحةً؛ عندما أعلن أن أمن واستقرار إسرائيل من أمن واستقرار النظام السوري، ليترجم ذلك بعد أيام عبر دفع مخابرات النظام والفصائل الفلسطينية الموالية له مئات الشباب إلى الحدود ودخولهم الأراضي الفلسطينية المحتلة في ذكرى النكبة والنكسة عبر نقطة «مجدل شمس» في الجولان المحتل، الأمر الذي أدى إلى استشهاد وجرح العشرات برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي.

الرسالة وصلت إلى صناع القرار في «تل أبيب» من أجل ممارسة الضغوط على الإدارة الأمريكية بهدف عدم التشدد مع النظام على المدى الطويل من عمر الأزمة في سوريا، معروف قابله «الأسد» بإعلانه الاعتراف بدولة فلسطين تقام على خطوط الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها «القدس الشرقية» فقط، وتحويل مكتب «منظمة التحرير الفلسطينية» بدمشق إلى سفارة.

 اليرموك.. الجرح الفلسطيني المستمر

ينقسم الفلسطينيون في سوريا بين «فلسطينيي 48» من حملة هوية «الإقامة المؤقتة» أو «فلسطينيين سوريين» ينحدر غالبيتهم من مدن صفد وحيفا ويافا والقدس لجئوا إلى سوريا بعد النكبة، و»فلسطينيي 67» ينحدر غالبيتهم من الضفة الغربية وقطاع غزة لا يحملون أي إثبات وطني سوى «قيد» من منظمة التحرير، التي أصبحت سفارة بعد قرار الأسد آنف الذكر.

تحتضن دمشق وريفها غالبية الفلسطينيين في سوريا بنسبة تقارب الـ 70%، وينتشر الباقون في تسعة مخيمات تتوزع بين درعا وحمص وحماة وحلب واللاذقية.

يعتبر مخيم «اليرموك» أو كما يعرف بـ «عاصمة الشتات الفلسطيني» رافعة المخيمات في سوريا بشريًا ورمزيًا ووجدانيًا وحتى سياسيًا وفصائليًا، حيث يضم المخيم الكائن في جنوب العاصمة دمشق أكثر من 150 ألف فلسطيني في مطلع العام 2011، قبل أن تعبث بتركيبته «دوامة الصراع» السوري–السوري والتصرفات «الميليشيوية» لفصائله، ليهبط العدد الآن إلى قرابة 20 ألفًا، حيث يعيش المخيم اليوم في ظل حصارٍ كامل منذ سنتين تقريبًا من قبل قوات النظام ومجموعات فلسطينية موالية أبرزها: «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، و «حركة فتح الانتفاضة»، وسط انقطاع المواد الغذائية والأدوية، التي تسبَّبت بعدد كبير من الوفيات قاربت 160 ضحية.

يقول «أبو علي الخليلي» (اسم مستعار) القيادي المنشق من «حركة فتح الانتفاضة» لعنب بلدي إن الحركة رفضت في البدايةَ طلب الأسد بالانخراط في الصراع السوري، الذي وصفه بالشأن الداخلي للبلد المضيف، لكن النظام هدد باجتثاث الحركة وتهجير أهالي كوادرها وملاحقة قادتها، في حين عرض أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خدمات فصيله العسكرية واللوجستية للأسد كونه أقرب الشخصيات الفلسطينية من الأسد الأب ويحمل الجنسية السورية.

على عينك يا نظام..

في ظل التضييق والملاحقات الأمنية الممنهجة على الحواجز العسكرية والدوائر العامة، إلى جانب ضغوطات بالانخراط عسكريًا ضد الشعب السوري ومن ثم الحصار والتجويع، كل ذلك دفع الفلسطينيين إلى البحث عن وطن جديد ولو عبر مراكب بدائية في البحر المتوسط.

يلفت «الخليلي» إلى خروج يومي لبولمانات كبيرة من منطقة العدوي بدمشق محملة بعشرات الفلسطينيين أمام نظر النظام وأفرع مخابراته، متجاوزةً الحواجز المنتشرة على طول الطريق بين دمشق وإدلب أو حلب دون أي إعاقة أو مساءلة؛ كما هي الحال مع السوريين المسافرين على ذات الطريق؛ في رسالة واضحة المعالم «هاجروا من هنا بصمت».

الشراكة في إسقاط حق العودة..

يجزم «الخليلي» بوجود اتفاق ضمني بين النظام السوري وبعض الدول الغربية كمندوبة عن «الصهيونية العالمية» بالمساهمة في تهجير الفلسطينيين السوريين وإعادة توطينهم في «وطن بديل»، مقابل عدم الضغط على نظام الأسد سياسيًا على خلفية الجرائم التي يرتكبها في قمعه للشعب السوري.

وفي الدليل، يلفت الخليلي إلى أن الدول الأوروبية التي تستقبل اللاجئين الفلسطينيين تحت بند «بلا وطن»، ومن أبرز شروط قبول الإقامة والجنسية لاحقًا، التوقيع على تعهد أو وثيقة تنص حرفيًا على «عدم العودة يومًا إلى فلسطين»، بل إن أي إشارة في المقابلة بإمكانية زيارة أرض أجداده قد تكون كفيلة في ترحيله.

مثلث القهر..

للفلسطينيين حملة الجنسية الأردنية في سوريا معاناة أخرى، غداة أحداث «شهر أيلول من عام 1970» والتي تعرف باسم «أيلول الأسود» التي أدت إلى إنهاء الوجود الفلسطيني المٌسلح في الأردن، نزح آلاف الفلسطينيين من حملة الجنسية الأردنية إلى سوريا، لتزيد «لعنة الجنسية» معاناة إضافية خلال التعاطي مع الفلسطينيين في الثورة السورية، إذ يؤكد «الخليلي» اعتقال أجهزة الأمن التابعة للنظام، العشرات منهم على الحواجز العسكرية والحدود ومراكز الهجرة والجوازات بتهمة أنه أردني قادم للقتال إلى جانب المعارضة في سوريا.

كذلك لفت القيادي السابق في «حركة فتح الانتفاضة» إلى وجود حالات اعتقال واختفاء حتى على خلفية جنائية، حيث يتم حجز المعتقلين في المقرات الأمنية وبالتحديد في أرهب وأخطر الفروع «فلسطين» أو في مبنى الهجرة والجوازات، ولا يسمح له الخروج إلا إلى الطائرة، بعد طلب من عدد من الدول استضافتهم وعلى رأسهم الأردن، فيما لا تأتي الموافقة سوى من «السودان أو ماليزيا أو البرازيل».

وفي سياق معاناة «فلسطينيي الأردن» في سوريا أشار إلى ترحيل السلطات الأردنية عددًا من العائلات بعيد وصولهم بطريقة غير شرعية إلى الأردن، ولاسيما من «مخيم الزعتري» شمال البلاد.

يشار أن مجموعة «العمل من أجل فلسطينيي سوريا» وثقت مقتل أكثر من 2600 فلسطيني جراء الصراع الدائر في البلاد؛ منذ بداية الثورة السورية منتصف الشهر الثالث عام 2011، بينما قضى قرابة 50 شخصًا منهم خارج سوريا؛ أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا عبر البحر، في حين وثّقت مقتل أكثر من 200 لاجئ فلسطيني تحت التعذيب في سجون النظام، بينما يبقى مصير المئات من المعتقلين الفلسطينيين مجهولًا إلى اليوم.

يونيسيف تطالب بـ903 ملايين دولار لرعاية الأطفال السوريين

دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان أمس، العالم لتوفير 903 ملايين دولار  كحد أدنى لتوفير الرعاية لملايين الأطفال السوريين المتأثرين بالأحداث الدائرة في البلاد. وأوضحت أن “خططها لعام 2015 تشمل “مضاعفة أعداد الأطفال الذين يستطيعون الوصول إلى المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي، ومضاعفة أعداد من يستطيعون الحصول على التعليم، خاصة في سورية والأردن، ورفع إمكانات توفير مواد التعليم للأطفال الذين يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها في سورية بسبب الأوضاع هناك”.

وأضافت المنظمة إنها “ستحافظ على “حملات التلقيح القائمة بهدف منع ظهور حالات أخرى من مرض شلل الأطفال، ومضاعفة أعداد الأطفال الذين يستفيدون من استشارت الرعاية الصحية الأولية في سورية”.

وأشارت اليونيسف في بيانها إلى أنها “ستسعى إلى إيصال الرعاية والدعم لحوالي 850 ألف طفل”. وأكدت أن ما يجري في سورية ” يمثل أكبر تهديد للأطفال في وقتنا الحالي”، محذرة من أنه “في نهاية عام 2015 ستكون حياة أكثر من 8,6 مليون طفل قد مزقت بفعل العنف والتهجير القسري في المنطقة، مقارنة بسبعة ملايين طفل قبل شهر واحد فقط”. ويذكر أن”يونسيف” أكدت سابقاً أن نحو 115 ألف طفل سوري ولدوا لاجئين في لبنان وتركيا والأردن والعراق ومصر، وذلك جراء استمرار النزوح هرباً من بطش نظام الأسد.

فقد لجأ منذ بداية الثورة السورية ما يقارب 3 ملايين سوري نصفهم من الأطفال لدول الجوار مع وجود احتمال بارتفاع كبير بعدد اللاجئين مع نهاية عام 2015، حيث قال أنتوني ليك المدير التنفيذي لليونيسيف إن “هذا العام الذي شهد الكثير من الصراعات هو أسوأ عام خلال جيلين متعاقبين بالنسبة لأطفال العالم، لكن عام 2015 ينذر بأن يكون أسوأ”. وقالت ماريا كالفيس، مديرة «يونسيف» الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن “أطفال سورية وأسرهم يدفعون ثمنا باهظا للصراع القائم. ومع اقتراب فصل الشتاء، سيكون للنقص في تمويل الأغذية أثر مدمر عليهم”.

وحضت يونسيف الدول المانحة على “توفير المزيد من الدعم العاجل لتلبية الاحتياجات الماسة لأطفال سورية وتجنب كارثة محققة”، محذرة من أن “الملايين من أطفال اللاجئين السوريين الأكثر هشاشة قد يأوون للفراش ببطون خاوية”، وأضافت إنها تشارك في النداء “للحصول على دعم طارئ لبرنامج الأغذية العالمي بعد أن أجبر على تعليق مساعدات كان يقدمها لحوالي 1.7 مليون سوري من الفئات الهشة في المنطقة”.

وكان هادي البحرة رئيس الائتلاف الوطني السوري قد دعا المجتمع الدولي إلى” تحمل مسؤوليته الأخلاقية لمنع المجاعة التي تلوح في الأفق وتهدد المئات من اللاجئين، وتوفير الأموال اللازمة للاستمرار في تقديم المساعدات عن طريق برنامج الغذاء العالمي”،  وأعلنت المتحدثة باسم البرنامج إليزابيت بيرز-التي أطلقت حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي- أن الأموال التي تلقاها البرنامج تمثل ثلث حاجاته لشهر، وجاءت من أفراد وشركات وحكومات، موضحة أن أكثر من عشرة آلاف مانح قدموا مساعدات مالية خلال الساعات الـ24 الأولى من الحملة. وقال نصر الحريري الأمين العام للائتلاف: ” إنّ التحرك والحملات الشعبية التي قامت بها منظمات المجتمع المدني من أجل تغذية برنامج الغذاء العالمي، أمر مشرف ويدل على ألا أحد يشعر بالشعوب سوى الشعوب، خاصة وأنّ الحكومات الصديقة لم تتخذ حتى الآن أي تحرك يذكر في دعم برامج الأمم المتحدة الداعمة للاجئين السوريين”

طفل سوري يفوز بجائزة ملاطية للأفلام

فاز الطفل السوري، أحمد الأحمر بجائزة في مهرجان ملاطية الدولي الخامس للفيلم في تركيا، عن دوره في فيلم تركي قصير، صُور في المخيم الذي يقيم به بولاية ملاطيه التركية.

أحمد البالغ من العمر 5 أعوام، والذي فقد ساقه اليسرى نتيجة سقوط قذيفة على منزله بحلب، قال لوكالة الأناضول:

“لقد صفق الجميع لي، وشعرت بسعادة كبير”

، معرباً عن رغبته في أن يصبح مثل بطل مسلسل وادي الذئاب التركي الشهير “مراد علمدار”، او مثل الفنان التركي “إبراهيم تاتليسيس”، عندما يكبر.

أحمد، الذي لجأ مع والديه وأخيه وأخته إلى تركيا منذ 16 شهرا، قال بأنه خائف من الحرب وحزين علي بيتهم الذي تهدم في حلب.