الآستانة بين قبولها ابتداءً والانقلاب عليها انتهاءً : أيمن أبو هاشم

يتلاقى في منتصف الطريق، من يرى خسارة معركة حلب هزيمةً نهائيةً للثورة، مع من يجد في مفاوضات الآستانة القادمة، الملامح النهائية للتسوية السورية. لئن ترتكز قواعد ذينك الرؤيتين، على المتغيرات الراجحة في موازين القوى لمصلحة النظام وحلفائه، وعلى الثقة المُفرطة في إنفاذ الضامنين الروسي والتركي، بحسبان التجاوب الإيراني معهما، للحل المطروح على كافة الأطراف السورية. فإن قراءة عميقة للمشهدين الدولي والإقليمي، والتحولات البنيوية في الواقع السوري خلال سنوات الثورة، تتجاوز النظرة التبسيطية في اعتبار نتائج معركة حلب، بمثابة حجر الزاوية في بناء التسوية المزمعة على أنقاض الهزيمة تلك. ثمة حقائق أخرى لابدَّ من الوقوف عليها، لتبيان الفارق بين حل يؤسس لسورية الجديدة، وتسوية تُنهي سورية القديمة، وتقذف بها إلى مصير مجهول. إذ لم يعد الحديث فقط عن مصير بشار الأسد، هو موضوع الصراع الوحيد بين فريقي الموالاة والمعارضة، فثمة أغلبية سورية تستشعر مخاطر تفتيت الوطن السوري، بحكم وجود قوى احتلال أجنبية متفاوتة في أشكال حضورها وأدوارها، باتت هي الحاكم الفعلي في تقرير مصير البلد، بعد أن ارتهنت قوى الصراع الداخلية لإرادات داعميها وحلفائها. ما يميز اليوم تلك الأغلبية، التي تشكلت من جمهور واسع اكتوى ظلم النظام، وعايش خذلان انخطاف الثورة، أنها الكتلة التي ما أن تتوقف ماكينة الحرب التي أنهكتها، حتى تكتمل لديها صورة "الغرباء المحتلين" وأطماعهم الجيوسياسية والاقتصادية، على حساب مصالح الشعب السوري. إنها الصورة المعبرة عن "تسوية غير سورية" في معناها ومضمونها، لن تفضِ لأكثر من تقاسم النفوذ والمصالح بين اللاعبين الأساسيين، على حساب تجريد السوريين أنفسهم، من دورهم في تقرير مستقبل وطنهم. بالطبع فإن الاستفادة الوحيدة من التسوية، في حال نجاح الشق المتعلق منها بوقف اطلاق النار، يكمن في تسريع انهيار كافة المبررات والذرائع، التي قام عليها نظام الأسد في قمعه الثورة السورية، لأن تفريطه في الحفاظ على استقلالية وسيادة سورية، وفشله في حكم شعبها، سيكون الحقيقة الساطعة، التي لا يمكن حجبها عن أنظار من امتحنوا الموت والفاقة والظلم، وما خبروه من نفاق وخواء الانتصارات الوهمية، التي أسقطت البلد أخيراً في أيدي محتليها. بالمقابل، لن يكون من اهتمامات السوريين بأيّ حال، مدى مشاركة هياكل المعارضة ورموزها في السلطة، بحكم ثبوت عجزها أن تكون بديلاً وطنياً موثوقاً لديهم. في حين لو استمر بشار الأسد في أي مرحلة قادمة، لن يروا فيه أقل من مصيبة تاريخية على إهدار السيادة الوطنية، ورمزاً صارخاً على فشل وتدمير البلد. بمعنى أدق ستكشف الحقائق غير المنظورة في التسوية القائمة، بروز معادلة جديدة يقوم طرفها الأول، على تحميل الاستبداد مسؤولية الكارثة السورية، دون اعفاء قوى المعارضة عن نصيبها من تداعياتها. ويقوم طرفها الثاني على مقاومة الاحتلال الأجنبي بكافة اشكاله، حالما يلملم السوريون جراحهم، كي يواصلوا معركة تحررهم الحقيقي والناجز. أما غياب أو تغيّيب هذه المعادلة بفعل قوى الأمر الواقع، فهو انتصار لتسوية تقوم على تقاسم نفوذ صنّاع القرار غير السوري، من خلال تبعية قوى الاستبداد والفساد المحلية، لقوى الاحتلال الخارجية, وأدواتها الميلشياوية. ثمة عاملين، لا يُرجّحان نجاح أو تمرير مثل تلك التسوية، التي لا تقوم على مقاربة مبدئية في حل عادل للقضية السورية : ( أولهما ) حجم التباينات والتناقضات في مصالح القوى الراعية والضامنة للتسوية، بين بعضها البعض من جهة، وبينها والقوى الاقليمية والدولية الأخرى غير الراضية عن مخرجاتها، والتي لها مصلحة بعرقلتها وإفشالها، طالما أنها خرجت من الكعكة بخفيّ حنين من جهة أخرى. مع قدوم ترامب رئيساً لأمريكا، وفلسفته الاستثمارية الفاقعة في العلاقات الدولية، يمكن أن نشهد استدارات حادة في التحالفات بين إدارته، وأطراف التسوية السورية، من شأنها أن تعزز فرضية إفشال تلك التسوية. ( ثانيهما ) ما راكمته تجارب السوريين طيلة السنوات الماضية، من فرص وامكانيات نهوض وعي سياسي واجتماعي، يَقرنُ بين الاستبداد السلطوي والتطرف الديني، ومسلح بوعي جمعي توّاق للخلاص من كليهما، من خلال أطر وطنية ذات استقلالية حقيقية، قادرة على التمييز بين الحلول الديمقراطية للمشكلات الداخلية، والكفاح الوطني في مواجهة القوى التي تصادر القرار السيادي. تندرج المراهنة على تشكّل ذاك الوعي، كونه الخيار الوحيد لمنع سورية الأرض والشعب من الزوال، لأن الخيارات البديلة والتقسيم أسوأها، هو شكل من زوال سورية المعاصرة، التي عرفها السوريون منذ مائة عام، وما فتئت أغلبيتهم تطالب بالحفاظ على هويتها الموحدة، رغم كل الجروح الغائرة التي زرعها الصراع بين مللها وطوائفها. تحت وطأة الاستنزاف المادي والبشري، الذي أرهق المجتمع السوري، لم يعد بوسعه احتمال استبدال واقع الحرب، بما هو تكريس لنتائجه في تشريع استباحة البلد ومواردها. حتى لو افترضنا قبوله تحت وطأة الضعف والتفكك، بأي تسوية تؤدي في المحصلة إلى مثل تلك المآلات المجحفة، لهو حينها تسليمٌ جماعي بالهزيمة التامة. تحمل التسوية المطروحة خيارين أحلاهما مر، إما خيار القبول بانتقال سورية من الاستبداد والتطرف، إلى ترسيم نفوذ ومصالح اللاعبين الدوليين والإقليميين، بما يعنيه ذلك من احتلال مُركّب لها، وإما خيار فشل فرصة التسوية، وترك سورية نهباً للحرب والموت والدمار والتهجير. يبقى أن الخيار الثالث، الذي يشكل مفتاح الأمل لدى السوريين، في تجنب ويلات ومخاطر كلا خياري ( قبول التسوية كلياً، أو رفضها كلياً ) يكمن في قبولها ابتداءً، والاستفادة من عملية وقف اطلاق النار، من أجل وقف مسلسل الموت اليومي، واستعادة دورة الحياة الضرورية لالتقاط الأنفاس، وعودة النازحين والمشردين إلى بيوتهم. ثم إبانَ شيوع حالة الاستقرار النسبي وتوظيفاً لها، على القوى الوطنية الحية أن تنظم صفوفها، وتستعيد زمام المبادرة، للعمل على التحرر من أعباء وقيود تلك التسوية، بما يؤدي انتهاءً إلى الانقلاب على املاءاتها الظالمة. شريطة أن تكون فكرة الوطنية السورية الحرة، هي البوصلة الوحيدة التي يهتدي بها السوريون في الداخل والخارج، لأنها ضمانة انجاز مشروع التغيير الديمقراطي، وبناء سورية الجديدة. ليس من خيارٍ دونه يحفظ كل هذه التضحيات، لشعبٍ أطلق أعظم ثورات التاريخ من أجل نيل حريته.