.. ولأقبية المخابرات السورية مسالخها البشرية .. وقائع من اليوم الثالث عشر



كومنت: دارا عبد الله

في صباح اليوم الثالث عشر، في فرع جادة الخطيب التابع لأمن الدولة في منطقة القصّاع بدمشق، ناداني حارس المهجع، المُسمَّى بـ “المهجع الخارجي”. كان لديّ ثلاثة أسماء في السجن: “كردي” و”قامشلو” و”دكتور”. لأوّل مرّة، ظننتُ أنّها جلسة تحقيق. الشاب الدوماني بقربي، قال لي بأنّه سيدعو لي بالفرج (كان هنالك تقليد دعاء يقوم به أهالي دوما، وغالبيّتهم مسلمون محافظون، بصمت لكلّ من يتم دعوته إلى التحقيق، كنت أستمتع بهمهمة الصوت، وأتأثر بدموعهم). خرجت بكنزتي الورديَّة وبنطلون جينز أزرق، حافياً. لأوّل مرَّة لن يتمّ وضع العُصَابةِ على عيني. رأيت ممرّات وأقبية الفرع بوضوح. شحوب وقطرات دمٍ على الجدران. دخلتُ غرفة التحقيق الأساسيَّة، كان هنالك ثلاثة عناصر مع مدير السجن. وكان في زاوية الغرفة، شاب مُعرَّى ينهال عليه رجل أمن رابع بضربات كرباجٍ عار. أتوا لي بكرسي، وقال لي مدير السجن، بأنَّ الهلال الأحمر أرسل لنا مجموعة من الأدوية، “نحن لا نسمح لأي أحد بدخول السجن، لذلك، نعتمد على الأطباء في السجن على إنفاق الأدوية. هذه هي الأدوية، وسيأتي إليك السجناء من المهجع رقم ١١” (مهجع خاص بالسجناء المرضى). وقال العنصر الشاب، بأنّه سيأتي لي بسيجارة وكاسة شاي كمكافأة على هذه الفعلة. لم يكن لدي قرار الرفض. تفقّدت الأدوية، معقّمات، وحقن “روز فليكس” مضادة للالتهاب، ومسكّنات ألم “إيبو بروفين” ولصاقات وشاش وقطن. هزيت برأسي مبدياً الاستعداد. وبدأت حشود السجناء تتقاطر عليّ، جروح متعفّنة يسبح فيها الدود، وأقدام بحاجة للبتر العاجل، وصدمات إنتانيّة من الالتهاب، ورصاصات مسجونة في أفخاذ، وجرب مستشري، وعشرات الحالات الأخرى. كنت أقوم بتضميد كلّ جرح، وأعقمها بإخلاص، وأغيّر الكفوف الطبيّة بعد كلّ أربعة أو خمسة سجناء. لا أتذكّر عدد السجناء بالضبط في ذلك المهجع، ممن قمت بتضميدهم، ولكن، العدد لم يكن يقل عن ٥٠ شخص. عجوزٌ هزيلٌ طاعن في السجن، كان يعاني من جرحٍ في باطن ساقه، قمت بتضميده، وحقنته بإبرة روز فليكس مضادة للالتهاب. اختلط الأمرُ على العجوز السجين، وظنّ بأني ضابط أو عنصر أو طبيب عسكري، واستغرب هدوئي واهتمامي في التضميد، فقام بتقبيل يديّ. وضعتُ عيني في عينه دامعًا، وأنا أشعرُ بحرارة شديدة في حلقي. رجلٌ أكبر من أبي يقبّل يدي. سحبتُ يدي فورًا وقلت له: “أنا هون وضعي متل وضعك، هدول أسيادنا وأسيادك، أنا سجين”. فهرع العنصر الواقف إلى الكبل واقترب مني، كي يقوم بتأديبي على جرأتي في الكلام بصوت عال، فاقترب منه مدير السجن، وهو الشخص الوحيد الذي كان يلبس ثياب مدنية في السجن، وطلب منه ألا يضربني، وألا يقترب مني.
بعد الانتهاء من العمليَّة، رفضت كأس الشاي والسيجارة، وطلبتُ منه فقط أن أرى نفسي في المرأة الموجودة فوق المغسلة. استغربوا من طلبي، ووافق مدير السجن. اقتربت من المرآة وأنا أنظر بعين بعيدة إلى شخص آخر لا أعرفه أبداً.

“فيسبوك”




المصدر