الكشف المبكر يقي من قصور القلب


ستون مليوناً. رقم كبير. هم أكثر من ستين مليوناً، هؤلاء المصابون بقصور في القلب حول العالم. على الرغم من الرقم الذي يدعو إلى القلق، إلا أنّ هذا المرض لا يُعار أهميّة كبرى. ثمّة أمراض أخرى تسيطر على المشهد. لكنّ ثمّة أطباء متخصصين في أمراض القلب، يدعون اليوم إلى التوقّف عنده، لا سيّما مع ارتفاع عدد الحالات وارتباط ذلك بارتفاع ضغط الدم وتعاطي المخدرات والبدانة وداء السكري.

قصور القلب أو فشل القلب حالة خطيرة ومزمنة تسجّل عندما لا يكون القلب قادراً على ضخّ قدر كاف من الدم لتلبية حاجات الجسم. وتفيد بيانات أخيرة بأنّ قصور القلب يصيب شخصاً واحداً من بين خمسة أشخاص فوق سنّ الأربعين، ويطاول سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع متوسّط أعمار أقلّ بعشر سنوات عمّا هو في الغرب. كذلك، من المتوقّع أن يلقى مصاب واحد حتفه، من بين مصابَين اثنَين بقصور القلب يتلقيان علاجاً في المستشفى.

من هنا، برزت الحاجة إلى تحديد الأولويات في معالجة قصور القلب المنسي، بحسب ما جاء في دراسة طبية حديثة أعدّها خبراء في إقليم منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط. وقد سعى هؤلاء إلى إطلاق تحالف في المنطقة لمكافحة قصور القلب، من ضمن خارطة طريق لمكافحة المرض تحدّد تحديات العلاج والأسباب المؤدية إلى القصور، من قبيل ارتفاع ضغط الدم وداء السكري والدهون في الدم والتدخين وتعاطي المخدرات على أنواعها والسمنة ومرض الشريان التاجي.

وفي حين أشارت الدراسة إلى أنّ أعراض المرض قد تختصر بتعب شديد وزيادة في الوزن وتسارع في ضربات القلب وضيق في التنفس وغثيان وتورّم الساقين أو الكاحلين أو البطن، توقّفت عند أبرز المشكلات التي يواجهها المريض، ألا وهي غياب الوقاية والتشخيص غير السليم والعناية غير الفعّالة داخل المستشفى وبعد الخروج منها. وهو الأمر الذي يتطلب تقديم دعم أكبر للمريض من خلال تثقيفه وتشخيص سريع وسليم لحالته بالإضافة إلى اعتماد خارطة طريق للعلاج وتوفير متابعة مستمرة له.

إلى ذلك، شددت الدراسة على أهمية إعداد إحصاءات محلية في كل بلد في المنطقة، لمعرفة ما هي خصوصيات المرض فيه. وكشفت في سياق متصل، عن علاقة الضغط النفسي بقصور القلب وأهمية الوقاية والتثقيف الصحي سواءً لمقدّمي الرعاية الصحية أو للأهل أو للمريض حتى يتمكن من إدارة مرضه بطريقة أفضل. وذلك في حين تسجّل نسب وفاة مرتفعة في منطقة شرق المتوسط، وقليلاً ما يأتي الشفاء كاملاً.

في هذا الإطار، يشدد الطبيب المتخصص في أمراض القلب، الدكتور شارل جزرا، على “أهمية الكشف المبكر”. ويقول لـ “العربي الجديد” إنّ “ثمّة أسباب عدّة تفاقم قصور القلب، منها إصابة عضلة القلب بمرض معيّن أو نتيجة الإصابة بالتهابات في المفاصل. ولعلّ أهم شيء علينا معرفته، هو أنّ ليس كلّ سعال سببه إصابة بالإنفلونزا. أحياناً يكون نتيجة قصور القلب. لذلك يجب التركيز على معرفة الأعراض، ومنها اكتساب وزن زائد من دون الإكثار من الطعام، ومنها شعوره بضيق في التنفّس من دون الإتيان بمجهود كبير”. يضيف أنّه “عند السعال، قد يشعر بضيق كذلك، وهو ما يعني أنّ ثمّة قصوراً في عضلة القلب. وهذا أمر يؤثّر على الرئتَين، فتزدادان انتفاخاً. عندها، تكون حياة المريض في خطر، الأمر الذي يستدعي معالجة سريعة تجنباً لوفاة مفاجئة”.

وعن العلاج، يوضح جزرا أنّه “شهد تطوراً، وهو ما يعني انخفاضا في نسبة الوفيات. في الماضي، كان العلاج يقتصر على أدوية إدرار البول. أمّا اليوم، فباتت هناك علاجات عدّة ومتطورة، بدءاً من العلاجات الدوائية التي تشدّ عضلة القلب وتخفّف من نسبة الموت المفاجئ، وصولاً إلى العمليات الجراحية المتطوّرة التي تهدف إلى تحسين عضلة القلب من خلال زرع بطاريات”. ويشير إلى أنّ “نسبة الإصابة بقصور القلب في لبنان أقل من البلدان الأخرى، وتلقي العلاج يأتي أسرع، إذ إنّ المسافات قصيرة. بالتالي يمكنه الوصول إلى المستشفى في حال أيّ طارئ، بوقت قصير، فينقذه العلاج السريع من الموت المفاجئ، بخلاف الحالات التي تكون فيها المسافة طويلة بين المنزل والمستشفى، فلا يأتي العلاج سهلاً وتسجّل تداعيات أكبر”.

ويسأل كثيرون: “ماذا لو أصيب المريض فجأة بقصور في القلب؟ هل أقسام الطوارئ مزوّدة بتجهيزات متطوّرة للحد من أيّ تداعيات قد تؤدّي إلى الوفاة؟”. يجيب الاختصاصي في طب الطوارئ، الدكتور داني رعد، أنّ “المستشفيات بغالبيتها مجهّزة بمعدات طبية متطورة لإنقاذ مصاب بقصور في القلب من خطر الموت المفاجئ، خصوصاً المستشفيات الجامعية”. ويشرح لـ “العربي الجديد” أنّه “عندما يصل المريض إلى الطوارئ، يحصل على إسعافات خاصة تبدأ بإعطائه أدوية لإدرار المياه لأنّ الرئتين تكونان قد انتفختا. كذلك يُعطى أدوية لتقوية عضلة القلب، فيما يزوّد بالأكسجين لمعالجة ضيق التنفس. وقد تعالج كهرباء القلب في حال حدوث أيّ خلل، إلى جانب التنفس الاصطناعي إذا لزم الأمر”. ويتابع رعد: “أمّا إذا كان ضغطه منخفضاً، فنسعى إلى إعادته إلى المعدّل الطبيعي. باختصار، علاج قصور القلب أسهل وأكثر دقّة في أقسام الطوارئ، في حال توفّرت كلّ التجهيزات الطبية المتطوّرة ووجد كذلك اختصاصيون في طب الطوارئ لمنح العلاج الصحيح مع تحديد سبب قصور القلب الذي لا يُحصر فقط بالمتقدمين في السنّ، بل يطاول مدمني المخدرات”. ويشير إلى أنّه بعد قيامنا بالإجراءات اللازمة، ننصح المريض بالتوجه فوراً إلى طبيب متخصص في أمراض القلب لمتابعة حالته”.



صدى الشام