سعد الله ونوس مثقف عصره

15 أيار (مايو - ماي)، 2017
7 minutes

محمود الوهب

[ad_1]

في مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كانت الشعوب العربية، في معظمها، خارجة من الاستعمار الحديث، بعيد سقوط الإمبراطورية العثمانية التي دشن سقوطها انتصار الرأسمالية الكامل، بالقيم التي أتت بها وأهمها، على النطاق السياسي: مفاهيم الحرية والديمقراطية، وإعطاء مساحة أكبر للإنسان الفرد ليلعب دوره في مجتمعه، متحررًا من أسر قوانين الرق والإقطاعية التي عاشها على مدى قرون طويلة من حياته الواعية.. ومعتمدًا على العلم، وما أتى به من إبداع أدوات بهرت الإنسان وارتقت به..

كانت شعوبنا التي تملك إرثًا حضاريًا مشهودًا تتطلع -وبخاصة في كل من سورية ولبنان ومصر والعراق- إلى النهوض والارتقاء والمساهمة في صنع الحياة الجديدة، تساوقًا مع متغيرات العالم، وعلى ذلك، فقد أفرزت مثقفيها الذين قالوا بذلك، فرسموا طرقه، وحددوا أدواته على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.. ومنهم من وقف في وجه الطغاة الجدد من السياسيين الذين، وإن تأثروا بأفكار الحرية والديمقراطية، إلا أنَّهم في الإطار العام لم يخرجوا من عباءة الإقطاعية واستبدادها.

سعد الله ونوس الكاتب المسرحي السوري المولود في قرية حصين البحر من محافظة طرطوس، في السابع والعشرين من آذار/ مارس 1941، والمتوفى بمرض خبيث في الخامس عشر من أيار/ مايو 1997، كان أحد أفراد الجيل الثاني من المثقفين الذين عملوا على فضح الطغاة الجدد، ولم يغفل كذلك مستوى الوعي الاجتماعي ودوره.. ولعلي هنا أشير إلى مسرحية واحدة فقط من مسرحياته التي تجاوزت الأربعين مسرحية إضافة إلى عدد من كتب النقد والترجمة.. أقصد مسرحية: “حفلة سمر من أجل 5 حزيران”. في مسرحيته هذه يسلط الضوء على أسباب الهزيمة، لا في بعدها السياسي فحسب؛ بل في عمقها الاجتماعي وفي الهوة السحيقة بين الواقع المجتمعي وبين العالم من حوله.. بين الشعب الذي لا يعيش عصره وعيًا وثقافة، أو لا يجعله الحاكم يعيشه، فهو أقرب إلى القطيع منه إلى الإنسان. وقد جاءت المسرحية معبرة في شكلها ومضمونها عن هذه الحال، ففي الشكل أسقط ونوس الجدار الرابع، وهو الحاجز الوهمي بين المسرح باعتباره رائدًا وموجهًا، والجمهور باعتباره الأداة والفاعلية وهو، على نحو أو آخر، دعوة إلى الديمقراطية التي تقود عبر الحوار إلى الكشف عن حال المجتمع وتطلعاته. يقول سعد الله في هذا المجال: “أحاول في هذه المسرحية تجربة أخرى من تجارب “مسرح التسييس” التي بدأتها من قبل – ينبغي هنا التنبيه إلى أن هناك فارقًا كبيرًا بين “المسرح السياسي”، و”مسرح التسييس”، لا مجال الآن للبحث فيه، وأحدد بسرعة مفهوم هذا “المسرح” على أنه حوار بين مساحتين. الأولى: هي العرض المسرحي الذي تقدمه جماعة تريد أنْ تتواصل مع الجمهور وتحاوره، والثانية هي جمهور الصالة الذي تنعكس فيه كل ظواهر الواقع، ومشكلاته.. وحتى الآن ما يزال هذا الحوار صعبًا. فمن جهة، هناك التقاليد المسرحية المبنية على إلغاء مثل هذا الحوار، أو إقامته بصورة غير مباشرة، وضمنية. وهناك أيضًا -وهذا أهم- طبيعة المتفرجين أنفسهم، وموانعهم الداخلية التي تحول بينهم وبين مباشرة الحوار، والانسياق مع نوازعهم الداخلية للتعبير عن أنفسهم. لهذا فإننا نقوم بتجربة بعض الوسائل المصطنعة لتقديمِ مثلٍ على إمكانية هذا الحوار، كأن نضع في سياق العمل متفرجين يتحدثون لحسابهم، ويناقشون، ويقدمون نموذجًا لما يستطيعه المتفرج أو لما ينبغي أن يكون عليه. طبعًا نحن لسنا من السذاجة بحيث نعتقد، كما ظن أحد الكتاب في تعليقه على حفلة سمر: “أن المتفرجين الحقيقين لن يكتشفوا أن هؤلاء الذين يجلسون بينهم، ويشتركون في النقاش والحوار، هم ممثلون مدربون على أدوارهم..” ولكن كما قلت سابقًا: إننا نحاول ببعض الوسائل الاصطناعية كسر طوق الصمت، وتقديم نموذج قد يؤدي تكراره إلى تحقيق غايتنا في إقامة حوار مرتجل، وحارّ وحقيقي بين مساحتي المسرح: العرض والمتفرج.

من المؤكد أن هذه الوسائل ليست كافية وحدها، وقد تتحول إلى مجرد مسألة شكلية وتقنية، ما لم يتوفر الأمر الأهم والأساسي في إثارة الحوار وتشجيعه. وأعني أن تتوفر في العرض المسرحي، أي في المساحة الأولى، الشروط اللازمة لإثارة الحوار.. كارتباط الموضوع بحياة المتفرج ومشاكله، ونوع المعالجة، وشكلها.. على أنَّ هذه الشروط لا تكفي الموهبة فقط لتحقيقها، وإنما تحتاج إلى بحث طويل في ظروف البيئة وبنيتها. وللأسف حتى الآن لم نشرع جديًا في هذا البحث.

إنني أحلم بمسرح تمتلئ فيه المساحتان، عرض تشترك فيه الصالة عبر حوار مرتجل وغني، يؤدي في النهاية إلى هذا الإحساس العميق بجماعيتنا وبطبيعة قدرنا ووحدته”. (موقع ديوان العرب)

لا شك أنَّ سعد الله ونوس متأثر بالمسرحي الألماني الأهم في عصره: برتولد بريخت، ولعل َّ الاثنين، كالآلاف من مثقفي القرن العشرين، متأثران بالمذهب الواقعي الاشتراكي الذي يعطي الأهمية الأولى للشعب، ولتبني قضاياه والدفاع عنها، ومن هنا، فإننا نرى ونوس مندمجًا في مجتمعه، معاينًا لمشكلاته، راغبًا في معالجتها، طامحًا في نهاية المطاف لإنهاض بالمجتمع والارتقاء به.. وهو دائم السعي إلى تقريب أبناء الشعب أكثر فأكثر من صناعة القرار عبر مجاله الفني.

إن محتوى مذهب سعد الله ونوس -كما نراه- هو الاهتمام بالإنسان المضطهد، وطريقه إلى إزالة هذا الاضطهاد هو معاملته على أسس ديمقراطية حقيقية، تمكنه من التعبير عن معاناته برسم الحلول لها. أدان سعد الله ونوس كلَّ من ساهم في هزيمة حزيران حاكمًا ومحكومًا، الحاكم بتسلطه واستبداده، والمحكوم بجهله، وتخلفه، وانعدام فاعليته، ومن هنا يقول جان جينيه المسرحي الفرنسي:

“زرت مصر أواخر عام 1967 كانت القاهرة بعد الحرب خالية من السياح، ركبت تاكسي وذهبت إلى الأهرامات، وعرفت أن السائق يخطئ في الطريق، فتحت الخريطة وأشرت إلى الطريق الصحيح؛ فاكتشفت أنه أميّ وأنه لا يعرف كيف يقرأ الخريطة، في تلك اللحظة، عرفت أحد أهم أسباب نكسة حزيران!” (من مقالة مطولة لفرحان الخليل/ منتدى تونس التربوي)

وأخيرًا إذا كنا نستعرض سعد الله ونوس اليوم، فليس لإحياء ذكراه فحسب، بل لأن الأمور التي قال بها، وهي صحيحة، بقيت على حالها، وكذلك بقيت الهزائم معها، بل لعلَّ هذا الخراب الذي نراه اليوم على غير صعيد هو النتيجة الطبيعية لانعدام التغيير.

[ad_1] [ad_2] [sociallocker]

المصدر

[/sociallocker]