لا تنتهي معاناتهم حتى بعد وصولهم لألمانيا.. كوابيس الحرب تلاحق الأطفال السوريين


"عجزت والدتي عن إيجاد طريقة ملائمة تتعامل بها مع أخي وهو ما يؤلمنا جميعاً" هكذا وصفت ليلى (اسم مستعار) حال أخيها ياسر (10 أعوام)، فالعائلة السورية هربت من دمشق بحثاً عن الأمان، واضطرت لمغادرة البلد بين ليلة وضحاها. والسبب هو تهديد بالقتل تلقاه والد ليلى أكثر من مرة حسبما تؤكد الشابة السورية (18 عاما) في حديثها.

وتستطرد قائلة: "ربما لم يكن أمر مغادرة البلد سهلاً بالنسبة لنا، فنحن أجبرنا على ذلك، أنا وأخي الأكبر تمكنا من إدراك الأمر وأخي الصغير (3 سنوات) أيضاً، لكن مشكلتنا الكبرى هي أخي ياسر فهو لم يتقبل الأمر إطلاقاً"، ليس ذلك فحسب، بل أصبح عدوانياً ويتهم أهله بإبعاده "عن أصدقائه وعن بلده".

حاولت والدة ياسر مساعدة ابنها على التأقلم مع نمط الحياة الجديدة في ألمانيا لكن دون جدوى، حتى إن ياسر وصل إلى مرحلة الإضراب عن الطعام وهو ما زاد من قلق والدته عليه "أمي أصبحت قاسية عليه من شدة قلقها وبدأت تضربه".

ياسر ليس إلا طفل واحد من بين المئات الذين وصلوا إلى ألمانيا ويعانون من صدمات نفسية. حوالي 350 ألف قاصر وفقاً لمنظمة  الأمم المتحدة لرعاية الطفل (يونيسف)، قدموا من بلدان افترستها وحشية الحروب و مرارة الفقر.

يزن (اسم مستعار)، لا يحتاج سوى فناء واسع وكرة قدم وقطعة من الشكولاته وبيئة آمنة ليعيش طفولة سعيدة ويكبر كسائر الأطفال. وعوضاً عن حقيبة المدرسة المليئة بالكتب والدفاتر، حمل هذا الطفل ابن السابعة على ظهره حقيبة سفر صغيرة، مثقلة بذكريات طفولة شوهتها الحرب إلى جانب مخاوف كبيرة، هارباً إلى ألمانيا مع عمه عبر الطريق الذي سلكه غيرهم، ولا يقل صعوبة وخطورة عن الأحداث الدامية التي فروا منها.

 شكلت هذه المجازفة بحد ذاتها صدمة نفسية قاسية ليزن، غير أن مشهد مقتل أحد أعمامه في سوريا كان أكبر صدمة له، فضلاً عن رؤية الدبابات وسماع الاشتباكات المتواصلة وغيرها من صور الحرب، التي لم ترحم هذا الطفل من الأثر النفسي المرير حتى بعد وصوله إلى ألمانيا. وظهرت أعراض ما بعد الصدمة النفسية عليه متمثلة بالكوابيس الليلية، والخوف، والقلق والرغبة في الانعزال.

مشاكل العلاج

يقيم الأطفال اللاجئون الذين قدموا إلى ألمانيا دون أولياء أمرهم في مراكز إيواء خاصة بالقاصرين، حيث تُنظم حياتهم ودراستهم وفق روتين معين ومحدد بمواعيد ثابتة، إلى جانب الاهتمام بهم من عدة جوانب مختلفة. وعند ملاحظة أي تراجع نفسي لدى الطفل، يخضع للعلاج مباشرة. غير أن اختلاف الثقافة التي قدم منها هؤلاء الأطفال واختلاف اللغة يشكلان تحدياً كبيراً تصعّب من فهم معاناة الطفل وبالتالي تصعّب من إمكانية علاجه.

لذا من الأفضل الاستعانة بمعالج نفسي من الخلفية الثقافية واللغوية نفسها لتسهيل عملية العلاج، كما أوضح معمر نخلة، معالج نفسي سابق في جمعيةAWO  الخيرية، التي تعنى بشؤون اللاجئين وأوضاعهم الاجتماعية بنويبراندنبيرغ.

وأوضح أن معظم الجلسات تعتمد على الكلام من خلال مشاركة الخبرات وقص الحوادث المؤلمة، مما يعزز دور اللغة المشتركة بين المعالج والمريض.

وأضاف: "يُنظر غالباً إلى فكرة العلاج النفسي في المجتمعات العربية على أنها معيبة أو كتهمة بالجنون، وهذا ما يشكل حاجزاً بين المعالج والطفل"،  كما أضاف: "من الضروري في البداية كسب ثقة الطفل، ولأنني أنتمي إلى المجتمع نفسه، فإن ذلك يسهل ويسرع الاستجابة خصوصاً في المراحل الأولى، أفهم المعاناة التي يتحدث عنها وأفهم طريقة التفكير".

وشرح المعالج أن نوع الاضطراب وشدته هو ما يحدد الطريقة العلاجية، سواء فردي أو جماعي، وأوضح: "استدعت حالة يزن العلاج الفردي في البداية والجماعي لاحقاً، إذ أن فراقه لوالديه هي صدمة بحد ذاتها، إلى جانب الحوادث الأخرى". غير أن استجابة الطفل للعلاج كانت جيدة جداً، واستقرت حالته النفسية بعد نحو 4 أشهر وتخلص من الأعراض وخصوصاً بعد وصول والديه من سوريا.

تقوم بعض المؤسسات الخيرية والجمعيات في ألمانيا بتقديم الدعم والعلاج النفسي والاستشارات للاجئين الذين يعانون من مشاكل نفسية ناتجة عن الحرب، حيث تقوم جمعية PSZ (Psychosoziales Zentrum für Flüchtlinge Düsseldorf) بتقديم الدعم النفسي لحوالي 500 لاجئ من 50 بلداً سنوياً، إضافة إلى استقبال المتطوعين من أطباء نفسيين وغيرهم لتدريبهم على المساعدة في الجلسات العلاجية.

ولم يكن يزن الطفل الوحيد الذي عانى من اضطرابات ما بعد الصدمة في ذلك المركز، حيث عانى أحمد (اسم مستعار) من أعراض قاسية جداً أيضاً، إذ لم يرغب بالتحدث إلى أي أحد، بل ورفض الذهاب إلى المدرسة، وأبدى رفضه للمجتمع الجديد وبكل ما فيه.

وكانت ردة فعل أحمد دائماً مصاحبة بسلوك عدواني، وفي الكثير منها بأفكار متطرفة واصفاً كل ما يحيط به بـ(الحرام) الذي لا يريد أن يكون جزءاً منه، فضلاً عن الكوابيس واضطرابات النوم التي عاشها لعدة أشهر متتالية.

وبحسب المعالج فإن حالة الرفض والعدوانية التي عاشها أحمد، البالغ من العمر 16 عاماً، ترجع إلى عمليات القصاص (قطع الرأس) وغيرها من الممارسات الوحشية التي شهدها مرغماً عندما كان في الرقة بسوريا، المسيطر عليها من قبل ما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية".

كما استدعت شدة هذه الحالة العلاج الفردي والجماعي، الذي كان عبارة عن جلسة أسبوعياً، عبر التحدث عن أصعب اللحظات أو عبر لعب الأدوار في مسرحيات تجسد الحوادث المؤثرة.

وأكد نخلة أن هذه الاضطرابات النفسية تؤثر سلباً على حياة الطفل ومستقبله وقابليته للاندماج وتكوين صداقات والتعلم في المجتمع الجديد، لذا يجب على الأهالي استشارة المعالج النفسي عند ملاحظة أياً من الأعراض المذكورة عند الأطفال.

ظهر التحسن على أحمد تدريجياً خلال العلاج، وبعد مرور 6 أشهر من بداية الجلسات، تغير سلوكه كلياً، إذ أصبح أكثر انفتاحاً على الآخرين وتمكن من تكوين صداقات والمشاركة في الأنشطة والعطلات وحتى السباحة مع أصدقائه، كما اختفت الكوابيس والسلوك العدواني، وأوضح المعالج: "من خلال الجلسات العلاجية، تُستبدل الأفكار السلبية بالأفكار الإيجابية".




المصدر