كيف يفكر بوتين؟


خلدون سماق

لو تمكن (قرصان) من اختراق رأس بوتين ليستمع إلى ما يدور في رأسه من أفكار وخطط تجاه الصراع في سورية، كان سسيمع ترددًا للأفكار الآتية:

–     الصراع في سورية فرصتي، سأجعلها ورقة في يدي لمواجهة الأميركيين الذين يسعون لتطويق روسيا، وسأرغمهم -بتمسكي بهذه الورقة، وتحالفي مع إيران والسعي للإمسكاك بأوراق أخرى، ربما في ليبيا وأفغانستان والتحالف مع طالبان- على الاعتراف بروسيا دولةً ذات دور كبير في العالم، والاعتراف بضم القرم ورفع العقوبات، وحينئذ يمكن أن أتخلى عن الأسد، بعد نيل موضع قدم في الشواطئ السورية المتوسطية. أنا أعلم أن السوريين يقتلون وسورية تهدّم، ولكن هذه هي طبيعة الصراعات في التاريخ.

–     موقف أوباما منحني فرصة، فهو يريد الانسحاب من منطقة لم تجلب له سوى الصداع من دون منافع، فتدخله في ليبيا لإطاحة القذافي أعطاه درسًا، بعد أن دخلت ليبيا في فوضى بسبب تشرذم المعارضة وتوجهها الإسلامي، وهذا يشبه الحال في سورية، ثم إن أوباما يهمه أولًا جذب إيران لتوقع اتفاق النووي، لذلك لن يقوم بأفعال تغضبها، وسيستعيض عنها بتصريحات بين حين وآخر، من جانبي فقد أكدت للأسد أنه لا يوجد تدخل أجنبي، وأنني سأحميه بالفيتو الروسي من كل قرار يمسّه، وأكدت له أن إسرائيل لا تريد إطاحته، فقد حافظ هو ووالده على الحدود الإسرائيلية أربعة عقود هادئة من دون أي إزعاج لإسرائيل، سوى تصريحات لا قيمة لها، بينما ستندفع أي سلطة جديدة وخصوصًا إسلامية إلى مزاودات كلامية وربما أفعال للتهويش ضد إسرائيل، ومن ثمَّ فالأسد أكثر ضمانًا لإسرائيل، وقد نقلت هذا كله إلى الأسد. فزاد هذا ثقته بقوته، وشجعه على مواجهة المعارضة.

–     سعيت مؤخرًا لترتيب لعبة آستانة، وهي حلقة في سلسلة ما أفعله من أجل هزيمة المعارضة السورية بالنقاط بعد أن عجزت عن هزيمتها بالضربة العسكرية، وهذا مبدأ معروف في السياسة الدولية، بخاصة إذا كان الخصم  مشرذمًا، ويقوم بقيادته أشخاص بلا تأهيل ولا خبرة، وأصبحوا أمراء حرب لهم مطامعهم، سأضغط عليهم بقوة، ثم سأقدم لهم شيئًا بسيطًا بعد أن خاب أملهم بداعميهم، وبموقف أميركا.

–     سمعت مرة بقصة (النمور في اليوم العاشر) للكاتب الحمصي زكريا تامر، وسمعت أيضًا بعض النكات عن أهل حمص الظرفاء. المهم أنني أدخلت ما يسمى المعارضة السورية (المعتدلة) في مسلسل تنازلات،  فبعد شعارها (إسقاط النظام) في 2011 تراجعت إلى القبول بسلطة انتقالية بمشاركة (النظام) وفق جنيف 2012، ثم عملت، وضغطت، مستفيدًا من سياسة أوباما وغياب ثقته بقدرة المعارضة المشرذمة والضعيفة والإسلامية على حكم سورية في حال ذهاب الأسد.

–     هذا كله ساعدني في التعنت،  ولم أجد أفضل من لافرورف ذي الرأس اليابس ليكون وزير خارجيتي، ثم مارست كثيرًا من الضغط على الأميركيين والأوروبيين والأمم المتحدة كي تصدر مؤتمرات فينا وميونخ، بيانات رخوة فيها تراجع خطوة بعد أخرى عن جنيف 2012،  ثم عملت بجهد  وضغط كبيرين لإصدار سلسلة قرارات من مجلس الأمن التي قضم كل منها جزءًا من جنيف 2012 إلى أن وصلنا إلى القرار 2256 الذي خلط الأوراق، وميّع المفاوضات، وميّع تمثيل المعارضة بمنصات القاهرة وموسكو وحميميم التي خلقتها أنا لهذه الغاية، بعد تدخلي العسكري في سورية، خصوصًا أن الضربات الجوية التي وجهتها إلى المعارضة بأنواعها كلها، المعتدلة قبل المتطرفة التي أدت دورًا حاسمًا في منع انهيار سلطة الأسد كليًا، ومدته بقوة معنوية إلى جانب القوة النارية، وقد تجنبت قصف داعش والنصرة، كي أضع الأميركيين والأوروبيين والعالم بين خيارين: الأسد أو الإرهاب، بدلًا من المقولة التي سبقتها (الاستبداد أو الحرية)، وقد كان لهذه الاستراتيجية أثرها الإيجابي الكبير في مواقف كثير من الأطراف التي فضّلت في النهاية الأسد العلماني على المعارضة المشتتة الإسلامية، على الرغم من كل ما فعله الأسد من قتل وتهديم، وهذا ما يجب حجبه بنشاط سياسي يكون بمنزلة دخان يغطي أعمال القصف والهدم التي تمارسها قواتنا وقوات أخرى حليفة للأسد. وقد ساعدت التفجيرات الإرهابية في أوروبا في جعل قضية الإرهاب ذات أولوية، وخلقت مناخًا معاديًا بقوة للإسلام السياسي بل للإسلام عمومًا، وأصبحت تفضّل بقاء الأسد ونظامه على الرغم من الأشياء كلها.

–     أردت من آستانة، وهي عاصمة صديقنا، أن تكون بديلًا من الأمم المتحدة، واتفاق جنيف الذي أبرم سنة 2012 عندما كان الأسد في أسوأ حالاته، فأردت كسب الوقت، ثم ماطلت بتطبيقه. وبهذه اللعبة السياسية كان التنسيق مع إيران لزيادة الدعم العسكري بدءًا بقوات حزب الله، ثم القوات الإيرانية، وبعدها الأفغانية والباكستانية، وقوات فلسطينية وقومية سورية وغيرها، لتدعم الأسد الذي تهلهل جيشه، وهبطت قدرته القتالية والمعنوية، وخربت أسلحته، وليس له قدرة على تجديدها -على الرغم من مساعدات إيران المالية- وتراجع قدرته على تجنيد علويين أكثر بعد العدد الكبير للذين قتلوا في هذا الصراع ، ويقدر بأكثر من 100 ألف شاب ورجل من طائفة لا تزيد على ثلاثة ملايين نسمة، ومن ثم أصبح الأسد غير قادر على الدفاع عن أي موقع لوحده، وهذا ما جعله بلا إرادة، ومضطرًا إلى الخضوع لما أريده كله من دون تردد. وهذا الدعم حافظ على النظام صورةً.

–     عملتُ بقوةٍ كي يبقى النظام هو السلطة المعترف بها دوليًا وفي الأمم المتحدة. وما أبتغيه في النهاية هو إعادة تأهيل هذا الأسد على الرغم من ضعفه وتهلهله كله، لأنني لا أضمن مصالح روسيا في حال ذهابه، وسأعمل للدفع بالمعارضة السياسية وأكبر عدد من فصائل المعارضة المسلحة، إلى التوقيع على اتفاق ينص على مرحلة انتقالية بحكومة وطنية تشارك بها المعارضة بعدد من الوزارات غير الرئيسة في ظل الأسد، مع بقاء مؤسسات الدولة، وخصوصًا الجيش والأمن، وسأمنح الفصائل بعض المزيات، وسأسعى لإجراء انتخابات يشارك فيها الأسد، ونجاحه مضمون، فهو ذو خبرة في إدارة مثل هذه الانتخابات، وسيصبح كل شيء شرعيًا. ولكن المشكلة أنني أعلم أن المحافظة عليه تبدو ضربًا من المستحيلات، ولا أعلم الآن ماذا سأفعل في النهاية، وهذا يقلقني، فأنا أعلم أن  الأسد لن يستطيع أن يحكم ثانية درعا وإدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة، وهذه الأخيرة قد أضحت -مع مناطق واسعة من ريف الرقة وريف حلب- من حصة البيدا الذي يتحالف مع الجميع، مع الأسد ومعنا ومع إيران ومع الولايات المتحدة، من أجل مشروعه لإقامة كيانه المستقل مستقبلًا.

–     أنا أعلم أن المحافظة على الأسد تتطلب بقاء الميليشيات الأجنبية والقوات الروسية إلى أمد غير معروف، وهذه مشكلة تخلّف مشكلات أخريات، وقد يستغلها ترامب ليجعل سورية مستنقعًا لقواتي مستقبلًا. ولكن لأرى ما أستطيع فعله الآن بانتظار ما يكشفه المستقبل القريب، وبعدئذ سأقرر. وقد يكون الاكتفاء بسورية المفيدة، وترك ما تبقى للآخرين، وبخاصة أن الأميركيين والبريطانين والأردنيين يحشدون قوات على الحدود، وفي داخل سورية في منطقة أبو الشامات للسيطرة على شرقي سورية، والأردن يرغب بمثل هذا الحل فعينه على درعا، وتركيا ترغب به أيضًا، وحصتها في الشمال وإدلب، والأكراد يؤيدونه لأنه يلبي مطلبهم بالاستقلال بما يستطيعون السيطرة عليه والاحتفاظ به. وعلى الرغم من أن الأسد وقواته الحليفة يخططون لهجوم على محافظة دير الزور من الغرب، وتدعمه ميليشيات عراقية من الشرق، لكن أظن أن الأميركيين سيقطعون الطريق، وسيصبح تقاسم سورية هو الأمر الأقرب للحدوث.

–     الاتفاق الأخير لإقامة مناطق تخفيض العنف في مناطق المعارضة هو خطوة استباقية على الطرح الأميركي الذي يريد إقامة مناطق آمنة، بعد التحول في موقف الإدارة الأميركية من الموقف الانسحابي الأوبامي إلى التدخلي الترامبي، ولكني صممته بحيث يؤدي إلى إجلاء المعارضة عن هذه المناطق في النهاية خطوة خطوة، وضمها إلى مناطق سيطرة الأسد. في الواقع عندما رأيت تركيا التي أصبحت مطواعة لي، ورأيت المعارضة المسلحة توافق على آستانة، ضحكت في سري، وقلت (هؤلاء المساكين)، وقد سُرِرتْ لموافقة أطراف المعارضة المسلحة على المشاركة في آستانة، فهذا دليل أنهم سيوافقون على ما أريده، وقد أصبحت أحب هذه المعارضة التي توافق على ما أريد، ولكني لا أحترمها فهي لا تستحق الاحترام. لكن موقفها يخدم مخططي. فقد حددت في وثيقة تخفيض العنف مناطق وجود المعارضة، وسميت  ثلاثة ضامنين؛ أنا وإيران صديقتي، وتركيا صديقتي الجديدة التي بقيت صداقتها منقوصة. وبما أنني أمتلك قوات على الأرض وكذلك إيران، بينما لا تملك تركيا أي قوات في تلك المناطق، فسأكون أنا وإيران الخصم والحكم، وقد  قبلت المعارضة السورية بذلك، والفضل يعود لتركيا. وقد استخدمت عبارة (تخفيض العنف) في هذه الوثيقة، ولم أقل وقف إطلاق نار شامل، وفِي الماضي قلنا وقف إطلاق نار، ولكننا بدلًا من ذلك صعّدنا النار، وأحرزنا تقدمًا، واسترجع الأسد مناطق جديدة.

–     ببساطة ستؤدي ترتيبات هذا الاتفاق والترتيبات التي سأسعى لإدخالها في الأرض إلى تحويل هذه المناطق إلى مناطق تمرد  مسلح ضد نظام شرعي، فقد سميت نظام  الأسد (حكومة الجمهورية العربية السورية)، -وليس النظام كما في إعلان جنيف 2012- وأدخلت بندًا ثانويًا فيها، وهو استعادة مرافق البنية التحتية في مناطق تخفيض العنف، وهذا يعني أن مؤسسات النظام للماء والكهرباء والهاتف وخدمات الصحة والمدارس والمعاملات العقارية وغيرها ستتسلل إلى مناطق المعارضة، وهذا نوع من السيطرة التدريجية للأسد على هذه المناطق، وسأغري الأهالي بمسألة المصالحة طمعًا بخدمات حرموا منها طويلًا، وسأضغط بالقصف على فصائل المعارضة، وسأغري قادتها ليوافقوا على تسوية مع النظام.

–     لا أظن وضعًا أفضل من الوضع الحالي لتحقيق المكاسب، إذ يزداد تشرذم المعارضة، ويبدأ الاقتتال بين فصائلها في الغوطة ودرعا وإدلب، واقتتالهم  يزيد ضعفهم، ويزيد أيضًا سمعتهم سوءًا، ويدفع بالسوريون حتى في مناطقهم إلى تفضيل المصالحة مع الأسد، وسأعمل على زيادة صراعات الفصائل بوساطة عملائي وعملاء الأسد المندسين بينهم.

–     كذلك استخدمت في وثيقة آستانة تعبير (مناطق آمنة)، وميزتها من مناطق تخفيض العنف، والمقصود بالمناطق الآمنة هو المناطق التي تبرم مصالحة مع النظام، فستنعم بالهدوء، لتغري غيرها به، والأهم فقد نصت (الفقرة 4) على أن إدارة المناطق الآمنة تكفلها قوات الضامن، أي روسيا وإيران، أما تركيا فلن ترسل قوات سوى إلى مناطق شمال سورية مثل ما عودتنا سابقًا. وتنص (الفقرة 4) من وثيقة آستانة على إمكان نشر قوات طرف ثالث من دون تحديده، ولم تقل الوثيقة قوات أمّم متحدة أو بإشراف الأمم المتحدة، وأنا سأرشح مصر والجزائر والعراق، وبذلك سأضع مناطق المعارضة في فك كماشة من قوات روسية وإيرانية ودول أخريات، مما يجعل أي أعمال عسكرية من قوات المعارضة مسألة صعبة تخلط الأوراق في المستوى الدولي، وتورط دولًا جديدة في الصراع، وقد وضعت في الوثيقة نصًا صريحًا على ضرورة وضع خرائط تحدد المناطق المشمولة بالاتفاق، واسستبعدت من تلك الخرائط المناطق التي أنوي دفع الأسد إلى السيطرة عليها. وطلبت في الوثيقة فصل مناطق المعارضة المسلحة عن مناطق النصرة وحلفائها، وأعلم أن هذا أمر غير قابل للتنفيذ بسبب تداخل فصائل المعارضة مع فصائل النصرة وحلفائها، ولكن هذا سيشكل وضعًا مثاليًا كي استخدمه ذريعة لمواصلة قصف المعارضة، وليس النصرة، لأن مصلحتنا هزيمة المعارضة المسلحة عسكريًا مع بقاء النصرة، ليصبح ترامب أمام خيار (الأسد أو الجولاني)،  وهذا من طرف آخر سيدفع بالمعارضة المسلحة إلى الدخول في مواجهة مع النصرة وحلفائها، ما يضعف الطرفين في آن معًا.

–     الأهم أنني همشت السعودية وقطر وهمشت العرب عن أداء أي دور، ثم لا دور للأمم المتحدة ولا وجود للمجتمع الدولي، ولا ذكر لجنيف 2012 ولا لقرارات مجلس الأمن ولا للحل السياسي، فهزيمة المعارضة هي الحل. أما ديميستورا فهو صديقنا الطيب. لم أترك أيضًا أي دور لترامب الذي ما زال مترددًا، وأعلم أن ما أفعله سيزعجه، لذلك أسابق الزمن كي أضعه أمام واقع على الأرض، قبل أن يحسم الأميركي أمره، وأكون فيه الأقوى، وأفاوضه لنيل أكبر مكاسب ممكنة، لأنه لو حسم ترامب رأيه ضدي، فلن يكون لي قدرة على مواجهته.

–     كنت -وما زلت- أخشى أن تمتنع المعارضة المسلحة عن المشاركة في آستانة، فذلك كان سيخرب خطنتي من البداية، ولكنت أضعت ما كسبته كله، ولكانت حرّضت مواقف العرب والأميركيين، لكن الحمد للقديس راسبوتين على معارضة كهذه تساعدني في تنفيذ ما أريد. والشكر موصول لمن يسمى (داعمو المعارضة).

–     أهم ما في الأمر الآن الحصول على مباركة مجلس الأمن على اتفاق آستانة، ليصبح قرارًا أمميًا، أكون حينئذ قد دفنت جنيف 2012 وقرارات مجلس الأمن السابقة. ولكني أخشى أن يعارض ترامب ما أفعله، لذلك سأسعى لتطبيقه على الأرض سريعًا، سواء صادق عليه مجلس الأمن أم لم يصادق.

–     غايتي الأخيرة هي أن أستعمل ورقة سورية مع أوراق أخرى، لفرض الاعتراف بضمي القرم ورفع العقوبات، والاعتراف بدور روسيا العالمي. حينئذ سأتخلى عن الأسد، وليس قبل ذلك، وأعلم أن إيران تريد المحافظة على الأسد ونظامه بأي ثمن بوصفه حلقة في سلسلة سيطرتها الممتدة من طهران إلى بغداد فدمشق وبيروت. ولكن مصالح روسيا، التي تلتقي بمصالح إيران الآن، لا تتطابق معها، وبخاصة في الأمد البعيد، فإيران تلعب لحسابها أولًا وأخيرًا. لذلك وتحسبًا ليوم الافتراق، ولو الجزئي عن إيران، لا بد من تقوية وجودي في سورية، ليس بجنود روسيين على الأرض، بل بتكوين قوات محلية تتبع لي مباشرة.

–     الأمر الذي يقلقني دائماً هو ترامب هذا، فرغم الصداقة ودعمي له في الانتخابات، فهو شخص لا يؤمن جانبه، ويبدو من الصعب التنبؤ بتصرفاته، خاصة وأن إدارته تتكون من صقور الجمهوريين، وأخشى أن يتوجهوا بقوة ضد إيران ودورها في المنطقة وخاصة في سورية، مما سيخلق ضغوطًا كبيرةً علي، وحينها ستكون مقاومتي ضعيفة.




المصدر