د.عزة عبد القادر

بينما نحن نسير هنا وهناك منشغلين بصراعات الحياة وأخبارها ، منغمسين في مشكلاتنا وأهوالنا متغافيلن عما سواها يطل علينا ضيفاً ثقيلا لم نكن لنحسب له حساب أو نحجز له مكاناً ، معتقدين في جهل وغرور أنه لن يدق أبوابنا أو يزور بيوتنا .
إن الحزن هو الحقيقة الرمزية الأكثر وضوحاً في الحياة ، فرغم إننا لا نستطيع ان نلمس الحزن أو نراه لكننا نشعر به ويؤثر في قلوبنا تأثيراً جللاً ، انه الضيف الأكثر إزعاجاً دائما ، والحزن ينجم في معظم الأحيان كنتيجة طبيعية لحدوث المصائب والبلايا ، والبلاء الأقوى هو الموت ، قال تعالى : ((إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت) آية 106 سورة المائدة
فالموت يأخذ أحبابنا ويكسر قلوبنا ليترك وراؤه ضيفاً ثقيلاً جدا (الحزن)، لكن العزاء الوحيد إنه سينقل أحبابنا إلى دار الخلود والحقيقة، وإننا جميعا سنرحل إليهم عندما يحين وقت قطارنا ، والحاكم في دار الحق هو ملك الملوك ، ستتحول أجسادنا إلى أرواح ، والأرواح لا ترتدي أجساداً لكنها إما ترتدي ألواناً نورانية بيضاء ، أو ألواناً شيطانية سوداء.
في حياة البرزخ التي تبدو قصيرة جداً للصالحين ، طويلة جدا على الظالمين .
ان حياتنا المادية الغريبة جعلتنا نصاب غصباً عنا بمرض عضال يسمى ( التمركز حول الذات) فأصبح غالبيتنا ينظر إلى المظهر ويهتم بالمرآة ليرى شكله الخارجي وكيف يبدو جسده وملابسه أمام الناس ، وذلك بغرض الظهور في أفضل صورة أمامهم ، وقد نسينا في غمرة إهتمامنا بمظهرنا الخارجي ان ننظر في الشكل الداخلي ، فما هي أشكال أرواحنا ، هل يرانا الملائكة في شكل جميل أم شكل قبيح ، هل ترى الملائكة أرواحنا ، وكيف يراهنا أهل القبور (اهل البرزخ) الذين يرون الحق والصدق .
لن نتعجب إذا رأينا هناك في حياة البرزخ أحد ملوك الدنيا وهو يبدو فقيراً ويرتدي ملابس سوداء متسخة جدا ويحمل الأحجار على ظهره حتى ينكفيء أرضاً رغم انه لا يمتلك جسدا لكنه سيقع على الأرض من العذاب وكثرة الحمولات والذنوب الكثيرة التي تمتليء بها حقائبه ، فقد سافر من الدنيا بلا حسنات .
يا للعجب ، هذا الرجل الذي كان مشهوراً مرموقاً في الدنيا يسير هناك على النيران والأشواك ، انه أيضا يعمل خادماً عند أحد الأئمة الذين صدقوا الله في الدنيا ، هذا الامام الذي كان فقيراً اصبح سيدا وغنياً .
، ما هذا الذي نرى هناك ، انه أحد الأمراء يقف وسط القاذورات والأتربة يا الله … كيف ؟ لقد كان أميرا مليونيراً في الدنيا وكان يطغي ويبغي في الأرض ، انه يحاول ان يزيل الأتربة والغبار الكثيف من الطرقات ليرضي سيده هناك ، يارب .. سيده هذا كان عبداً فقيراً فيما مضى ، كان في الدنيا مسكينا لكنه كان صالحاً ، والمثير ان هذا الأمير يحاول في سرعة ان يمسح حذاء سيده لعله يعطيه جزء من الحسنات ليخفف عن كاهله عناء الأحمال ، انه دائم الإلحاح عليه بأن يشفع له عند الله عز وجل ، لكنه في النهاية يصطدم برد الرجل الصالح ليقول له : ان الله حرم الجنة على الظالمين
قال تعالى :(وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (آية50)سورة الأعراف)
وان العبد الصالح الذي يبدو سيدا واميرا لا يملك من أمره شيئا أمام ملك الملوك / ان الله هو الحاكم ، يقول العبد الصالح في ثقة وقوة إيمان :(انا لست سيدا ولست حاكما بل انت تراني هكذا لأنك لا تمتلك الحسنات فإنك لم تخزن من الحسنات ما يساعدك في تلك الحياة الجديدة ، وانا ايضا مجرد عبد لله ولن ادخل الجنة بحسناتي التي حملتها معي بل سأدخل برحمة الملك الحق المبين ).
هكذا قال الصحابي الجليل ابوبكر الصديق رضي الله عنه : والله لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله”؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الكافرون.
انها حياة القبور الجديدة ،( ملوك وأمراء الدنيا الظالمين يعيشون في العذاب ويعانون الآلام والوقت يمر بطيئاً ينجو من الملوك والأمراء من طبقول العدل وأقاموا شرع الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله عليه السلام قال: (سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه: إمامٌ عادلٌ وشابٌّ نشَأ في عبادةِ اللهِ تعالى ورجلٌ ذكَر اللهَ خاليًا ففاضت عيناه ورجلٌ ـ كان ـ قلبُه معلَّقٌ في المسجدِ ورجُلانِ تحابَّا في اللهِ: اجتمَعا عليه وتفرَّقا ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ إلى نفسِها فقال: إنِّي أخافُ اللهَ ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتَّى لا تعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه) صحيح ابن حيان

، في البرزخ حياة أغرب من الخيال هناك يعيش فقراء الدنيا نعيماً ورغداً وتمر الأوقات سريعة وهم يريدون الأكثر والأكثر) لا يستثنى من هؤلاء الفقراء إلا أصحاب المعاصي والمنافقين والذين كانوا ناقمين على الحياة .
والسؤال هنا ، إذا كانت حياة البرزخ قصيرة بالنسبة للصالحين وطويلة بالنسبة للظالمين ، فهل هذا دليل على إختلاف الساعة بين كلا من الفريقين ، ام أن الوقت كما هو لكن هذا تشبيه مجازي يدل على مدى ما يلاقيه الأشرار والمنافقين من المهالك التي تجعلهم يشعرون باللحظة كأنها سنون والعكس صحيح فالأخيار يرون السنوات كأنها لحظات .
قال تعالى: قال تعالى :(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ . وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
إذن فلامسألة ليست أكثر من ساعة لكن الظالمين والفاسقين يعتقدون أنها سنوات طويلة نتيجة لما يرونه من عذاب وأهوال ، مع ملاحظة اختلاف المقياس الزمني بين الحياة الدنيا وحياة البرزخ ، فالبرزخ والله أعلم ربما هو أشبه بالحلم الطويل فنحن في الحلم نتكلم مع إناس ونسير في طرقات وربما نعبر جبال وانهار ، لكن كل ذلك نفعله بلا أعين او أرجل أو آذان ان أرواحنا هي التي تتصرف ، لكن من رحمة الله تعالى اننا نستيقظ من أحلامنا إذا كانت كوابيس ، اما في حياة البرزخ فلم يعد هناك أية فرصة لنستيقظ فقد انتهت الحياة حيث تآكلت اجسادنا وشلت إردتنا حيث عادت لمالكها الحقيقي هو الله الملك الحق العظيم .

هناك في حياة البرزخ يفرح المحسنين بموتهم وإنتقالهم إلى حياة القبور لأنهم يكتشفون الكنز المخبيء لهم ، أعمالهم محفوظة في بنك الحسنات ، كان يحفظها رقيب (الملاك الأمين) الذي لم يكن يسهو لحظة عن أعمالهم الخيرة ، فقد سخره الله لكتابة الحسنات ، فيقول المحسنين: الحمد لله الكريم الحليم الذي من علينا علينا بالخير الوفير.
في الجناح الأيسر يموت البخلاء ومانعي الزكاة والصدقات فيبكون حزناً وكمداً حيث يشعرون بالجوع والعطش ، فلا يجدون ما يمكنهم من العيش في الدار الآخرة ، فينادون على المحسنين من عباد الله : احسنوا الينا ، أعطونا مما اعطاكم الله ، لكنهم لا يعرفون او لا يتذكرون أن الله حرم النعيم على الظالمين والمنافقين ، فلا ظلم اليوم ، الملك لله الواحد القهار.
ان العملة المستخدمة في البرزخ ليست الجنيهات والدولارات ، بل هي الحسنات
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً [الكهف: 105].
انها حياة لا يستطيع الخيال ان يصفها مهما شطح إلى أعلى ، فهناك نفقد أجسادنا ورغم ذلك فإننا نمشي بدون أرجل ونسمع بدون آذان وننطيق بلا لسان ونرى بدون أعين ، لكن نرى الحق والعدل ، فإذا كنا أشرار ماعاذ الله سنرى كم نحن صغار نتسم بالحقارة وإذا كنا أخيار سنرى كم نحن عظاماً لأن الله لا تضيع عنده الأجور والأعمال.
هناك سيعلو الإحساس الروحاني والرؤية الغير متناهية لنرى جميع من حولنا على حقيقتهم ، سيرى الطغاة بعد موتهم الناس الذين كانوا يعظمونهم في الدنيا وهم يسبونهم ولن يستطيعوا ان يغلقوا أفواههم وفي ذات الوقت لن يهربوا من أصواتهم العالية التي تلعنهم وتدعو عليهم في كل مكان لأنهم أصبحوا بدون آذان وبدون آيادي ، لقد تحولوا إلى أرواح يملكها الله عز وجل ، فهو الحكم ذو القوة المتين ، انهم يعضون على أيديهم ندماً وكمداً
قال تعالى : (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) آيو 27 سورة الفرقان
وقال تعالى( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا )سورة الأحزاب آية 66-68

اسم الكاتب
دكتورة عزة عبد القادر