ترجمة:  نادين اغبارية‌

خلال حرب 2006 بين وحزب الله كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية محدودةً بسبب الوضع الدبلوماسي، وبسبب طرد من لبنان عام 2005. وكانت حكومة “فؤاد السنيورة” في بيروت تعتبر أحد النجاحات القليلة لمشروع لتعزيز الديمقراطية في المنطقة آنذاك، ونتيجةً لذلك تم فرض ضغوطٍ على إسرائيل لتقييد عملياتها، لتقتصر فقط على أهداف تتصل مباشرةً بنشاطات “حزب الله” وحده.

عشر سنواتٍ فترةٌ طويلةٌ وكفيلة بتغيير السياسات، ووجهة النظر في إسرائيل اليوم هي أن التمييز بين “حزب الله” ومؤسسات الدولة اللبنانية وسلطاتها لم يعد موجوداً. ولكن بينما لم تعد الحكومة اللبنانية تحظى بالحماية، خاصةً من الولايات المتحدة والغرب، فإن الموقف الذي اتخذ في العواصم الغربية بشأن الدولة اللبنانية، ولا سيما قواتها المسلحة، لا يزال مختلفاً بشكلٍ ملحوظ عن الموقف الذي اتخذ في القدس، ولا يزال اللبناني المستفيد الرئيسي من الأمريكية.

هذه الفجوة في وجهات النظر تعكس مخاوف أمنية أولية مختلفة. أما بالنسبة لإسرائيل فإن تغيير هذا التصور في الغرب، قبل الصراع المقبل مع “حزب الله”، هو مهمّةٌ استراتيجية أساسية. إذن فما هي حقائق القضية ووقائعها؟

أحد التطلعات الأساسية لدولةٍ فعّالة هو أن تمارس حقها في الاحتكار المطلق لاستخدام العنف داخل حدودها. والدولة اللبنانية، من وجهة النظر هذه، فقدت قدرتها على ممارسة هذا الاحتكار منذ فترة. وكما أظهر الخط البياني للأحداث منذ عام 2006، فإن “حزب الله” ومناصريه أثبتوا أنهم قادرون على العمل سياسياً وعسكرياً بطريقةٍ مستقلة، دون الحصول على إذنٍ من السلطات الرسمية في بيروت. بيد أن ما حدث في العقد الماضي هو أن “حزب الله” وحلفاءه، بدلاً من تجاهل رغبات الدولة، استوعبوا تدريجياً مؤسساتها وتغلغلوا بها.

 وأظهرت أحداث أيار/مايو – حزيران/يونيو 2008 في بيروت أهمية ‘لبنان الرسمي” في معارضة إرادة “حزب الله” وحلفائه. وبعد ذلك قام “حزب الله” وحلفاؤه، على الصعيد السياسي الرسمي، بتعطيل عملية تعيين رئيس لبناني لعامين، قبل ضمان صعود مرشحهم المتحالف مع الحزب، الجنرال “ميشال عون”، في أكتوبر/تشرين الأول 2016. ولتحقيق ذلك فإن كتلة 8 آذار/مارس، التي يشكل “حزب الله” جزءاً منها، قامت بضمان 8 مقاعد في مجلس الوزراء اللبناني من أصل 17 مقعداً، ومن بين هؤلاء الـ 8 يوجد اثنان في يد “حزب الله” مباشرةً، لذلك لم يعد من الممكن، على مستوى القيادة السياسية، تحديد المكان الذي تبدأ فيه الدولة اللبنانية وينتهي فيه “حزب الله”.

وتمتلك المنظمة منذ فترةٍ طويلة هيمنةً فعلية ومادية، سواءً داخل لبنان أو وخارجه (ضد إسرائيل، وفي تدخلها في الحرب الأهلية السورية، وفي مشاركتها مع مليشيات أخرى موالية لإيران في العراق واليمن). ويبقى التساؤل ما هو موضوع التعاون الأمني بين “حزب الله” والقوات المسلحة اللبنانية؟

لا يعارض أي مراقبٍ جدّي للوضع في لبنان أن التعاون المفتوح بين القوتين قد ازداد على مدى نصف العقد الماضي. ويذكر أن خلفية هذا التعاون هو تهديد الجهاديّ السلفي من الجماعات السلفية السورية المشاركة في الحرب الأهلية السورية. هذا وقد أدت سلسلةٌ من التفجيرات في مناطق ذات أكثريةٍ شيعية، في جنوب بيروت وفي المناطق الحدودية، إلى بذل جهودٍ مشتركة من قبل “حزب الله” والجيش اللبناني. وبالطبع كانت هذه الانفجارات تحدث كنوعٍ من الرد على السلفي على تدخل “حزب الله” في الحرب الأهلية في سوريا الى جانب . القوات المسلحة اللبنانية و”حزب الله” عملا معاً على مستوى التعاون الاستخباراتي، وحققا عدداً من النجاحات في تحديد مكان عدة خلايا سلفية كانت تعمل داخل الأراضي اللبنانية واعتقالها.

ونتيجةً لتنامي التعاون بين الجيش اللبناني و”حزب الله” قامت المملكة العربية السعودية بقطع مساعداتها العسكرية للقوات المسلحة اللبنانية، وألغت تعهداتٍ بقيمة 3 مليارات دولار في شباط/فبراير 2016. وكان هذا القطع اعترافاً تكتيكياً بهزيمة السعوديين؛ اعترافاً منهم بأن مشروعهم لممارسة النفوذ والسلطة في لبنان من خلال عملائهم قد فشل.

أما بالنسبة للولايات المتحدة فقد واصلت علاقتها مع القوات المسلحة اللبنانية، التي تلقت 200 مليون دولار كمساعدةٍ من في العام الماضي. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي نفت الولايات المتحدة التأكيدات الإسرائيلية بأن العربات المدرعة M113، التي عرضها “حزب الله” في موكبٍ انتصاري في بلدة القصير في سوريا، جاءت من مخزونات القوات المسلحة اللبنانية. ووفقاً لما ذكره “جون كيربي” المتحدث باسم وزارة الخارجية آنذاك، فإن الجيش اللبناني لديه “سجلٌّ نموذجيّ” في الالتزام بالمبادئ والقيود التي تفرضها .

 وفي شباط/فبراير ظهر بيان للرئيس اللبناني “ميشال عون” لتأكيد التعاون القائم بين الجيش والحزب. وقال عون لقناة سي بي سي المصرية إن “حزب الله” العسكرية لا تتعارض مع الدولة، وإنها جزءٌ أساسيّ من الدفاع عن لبنان. مضيفاً أنه ما دام الجيش اللبناني يفتقر إلى القوة الكافية لمواجهة إسرائيل، فإننا نشعر بالحاجة إلى “ترسانة حزب الله؛ لأنه يكمل دور الجيش”.

اختلاف الرأي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الصدد يتزايد أهميةً بسبب الأدلة الناشئة عن أنشطة “حزب الله” التي لم يتم الإبلاغ عنها حتى الآن، وهناك قلقٌ عميق في إسرائيل فيما يتعلق بالكشف عن صناعة أسلحة تابعة لـ “حزب الله” محلياً تدعمها إيران. وهذا، إلى جانب ما يمكن أن يكون بداية النهاية للحرب السورية، يؤدي إلى تضاعف احتمالات إمكانية تجدد التوترات مع “حزب الله”، غير أنه لا يعني أن الحرب باتت وشيكة.

ولكن من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الفجوة في التفاهم والإدراك بين واشنطن والقدس حول القوات المسلحة اللبنانية، وحول تحديد التعريف للدور الحالي للدولة اللبنانية، هي مسألة تتطلب اهتماماً عاجلاً. وهي حالياً واحدة من القطع المفقودة في الهيكل الدبلوماسي الذي يستطيع وحده أن يجعل الحرب التي سترغب إسرائيل في خوضها في المرة القادمة ممكنة، في حال أو استفزاز “حزب الله”، ويهدف هذا إلى أن تكون حرباً على نطاقٍ وأبعادٍ مختلفة تماماً عن عام 2006. والقصد من ذلك هو رفض أي تمييز بين “حزب الله” والدولة اللبنانية، ودفع الدولة إلى شن حرب على لبنان ككل، دون تجزئته والتفريق بين مؤسساته.

ولكن لكي يكون ذلك أمراً ممكناً فمن الواجب أولاً الانتصار في معركة دبلوماسية لإقناع الغرب، أو على الأقل الولايات المتحدة، بأن مليشيات إيرانية تقوم اليوم بالهيمنة على الدولة اللبنانية بشكلٍ فعالٍّ؛ ممَّا يجعل الحرب ضد إيران تنطوي، بطبيعتها، على حرب ضدّ لبنان.

ولكن هذه المعركة ما قبل المعركة لم يتم الفوز بها بعد، وهي جزءٌ من مخططاتٍ وطموحاتٍ إسرائيلية في تركيز الولايات المتحدة والغرب على إيران والإسلام السياسي الشيعي، بدلاً من التركيز الغربي الحالي على نظيره السني. ستتمكن إسرائيل، بهذه الطريقة فقط، من تأسيس العمق الاستراتيجي في الساحة الدبلوماسية الذي سيمكنها من تنفيذ خططها في حال نشوب حرب مع “حزب الله” إن لزم الأمر.

المصدر: مركز دراسات الأمن القومي نقلاً عن جيروزاليم بوست

الرابط: http://www.rubincenter.org/2017/07/israel-and-hizballah-the-battle-before-the-battle/

Share this: