السياسة الأميركية في سوريا: من الاحتواء إلى الانخراط



للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011 يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية قد وضعت استراتيجية سياسية-عسكرية في سوريا. ففي خطابه الأخير في جامعة ستانفورد، رسم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الخطوط العامة لتلك الاستراتيجية والتي ترتكز على تعزيز التواجد العسكري الأميركي في شمال البلاد، وضخ الأموال من أجل إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار. أما الرسالة الموجهة للرئيس السوري وحليفتيه، روسيا وإيران، الذين يتطلعون لاستعادة تلك المناطق الغنية بالثروات النفطية والزراعية فكانت واضحة: ممنوع الاقتراب.
تعرض الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما خلال ولايته الرئاسية لانتقادات قاسية في ما يخص الملف السوري. وتصاعدت تلك الانتقادات بعد التدخل الروسي في سوريا في نهاية العام 2015 وشملت الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما. طالب المنتقدون حينها بضرورة رسم استراتيجية أميركية واضحة المعالم في سوريا. وإذ اعترف الجميع بتعقيد الواقع السوري وما يعنيه ذلك من صعوبة بالغة تعتري مهمة رسم استراتيجية متماسكة، ولكن كان هنالك إجماع على اتسام سياسة إدارة أوباما بالتردد والانعطافات المتكررة التي جعلتها تضيع فرصا عديدة من أجل بناء استراتيجية محددة بصورة تدريجية قائمة على الخبرة المتراكمة في الميدان السوري.
وكان الانتقاد الثاني لإدارة أوباما بخصوص سوريا هو التركيز على البعد السياسي وتجاهل البعد العسكري، وهو ما جعلها تفتقد للفاعلية وتنقاد للأحداث المتسارعة وتتأثر بها، فضلا عن تعويلها الدائم على روسيا للعب دور بناء ينهي الصراع القائم وذلك بإقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالقبول بانتقال سياسي.
دافعت روسيا عن حليفها في المحافل الدولية بكل شراسة، ورفضت ممارسة حد أدنى من الضغوط على الرئيس بشار الأسد لأسباب متعددة. ومن ثم انخرطت موسكو في عمل عسكري في سوريا في نهاية العام 2015 لتطلق بذلك رصاصة الرحمة على التعويل الأميركي على دور إيجابي متخيل يمكن أن تلعبه موسكو ويقود إلى عملية سياسية جدية. أطلق التدخل العسكري الروسي في سوريا وابلا من الانتقادات ضد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ودفعها إلى التفكير بشكل جاد في رسم استراتيجية واضحة تخرج واشنطن من تخبط السياسات والارتهان للسياسة الروسية في سوريا.
بدأت ملامح تلك الاستراتيجية بالتشكل خلال العام الأخير للرئيس باراك أوباما في السلطة 2016، حيث حسمت واشنطن أمرها بدعم القوات الكردية تحت مسمى “قوات سوريا الديمقراطية” واعتبارها الحليف الاستراتيجي ضمن سياسة جديدة قدمت، لأول مرة، بعدا عسكريا مباشرا للانخراط الأميركي بالنزاع السوري.
كان الغطاء العام للمهمة الأميركية الجديدة هو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وهزيمته، فيما تمثل الهدف الاستراتيجي بالسيطرة على مساحات شاسعة من شمال سوريا وشرقها، وبناء تواجد عسكري طويل الأمد يشمل إرسال مقاتلين ومعدات فضلا عن إنشاء قواعد ومطارات عسكرية.
شكلت القوات الكردية الحليف الأفضل بسبب كونها خاضعة لحزب قومي- يساري، وتحظى بالتالي باستقلالية نسبية وبانضباط كبير، وذلك بعكس فصائل المعارضة السورية مفككة القيادة والتي خضعت بدرجة كبيرة للدعم والنفوذ التركيين. كما رفضت فصائل المعارضة السورية قصر المعارك التي تدعمها الولايات المتحدة على تنظيم داعش، وواصلت قتال النظام السوري فيما التزمت القوات الكردية بقتال التنظيم المتطرف. وأخيرا، يحيط الأعداء بقوات سوريا الديمقراطية من كل جانب حيث تشمل لائحة أعدائها كلا من النظام السوري وتركيا والمعارضة السورية وتنظيم داعش، وهو ما يجعل تحالفها مع واشنطن أكثر تماسكا.
عملت الولايات المتحدة منذ منتصف العام 2016 بسرية تامة على توطيد وجودها العسكري في شمال سوريا، وقد نجحت في ذلك مع انتهاء المعارك بصورة رسمية ضد تنظيم داعش في نهاية العام الماضي بالسيطرة على مدينة دير الزور آخر المعاقل الرئيسية للتنظيم في سوريا، وتوطيد قوات سوريا الديمقراطية تواجدها وحكمها للمناطق التي انتزعتها من التنظيم.
أعلن ريكس تيلرسون أن التواجد العسكري الحالي والمتصاعد للولايات المتحدة غير محدد بمدة زمنية، وأنه يرتبط بعملية الانتقال السياسي في البلاد ليشكل ذلك أول ورقة ضغط جدية تستخدمها واشنطن للدفع نحو تسوية سياسية منذ انطلاق الصراع. ويعتبر هذا الإعلان بمثابة رد على التجاهل الروسي التام لمطالب واشنطن منذ العام 2012 بإنهاء الصراع وتحقيق انتقال سياسي عبر الضغط على بشار الأسد.
أصرت روسيا على الإبقاء على الأسد كحجر عثرة يمنع أي تطور سياسي ذي أهمية، ويحقق شيئا من الاستقرار في المنطقة. ويبدو أن الرد الأميركي اليوم هو وضع حجر عثرة أيضا في وجه المشروع الروسي- الإيراني- التركي في سوريا الذي يتضمن إعادة تأهيل الدولة السورية بقيادة الأسد، واستعادة السيطرة على كل الأرض، وخصوصا شمال البلاد الغني بالموارد الاقتصادية.

(*) كاتب فلسطيني سوري


العرب


المصدر
جيرون