في يوم 4 أبريل/ نيسان، ألقى مادة كيماوية سامة على قرية “خان شيخون” في محافظة إدلب، ما أسفر عن 69 شخصاً من بينهم أطفال. وقد كانت هذه الحادثة هي الهجوم الذي لقى الانتشار الأكبر منذ الهجوم الذي حصل عام 2013 في ريف دمشق والذي أودى بحياة ما يزيد عن 1.400 مدني. وفي الواقعتين، قاسى الضحايا ميتات مؤلمة نتيجة استنشاق غاز السارين، وهو غاز أعصاب محرّم بموجب القانون الدولي.

 

بعد اندلاع الثورة عام 2011، دعا الناشطون السوريون والعاملون في مجال حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، دعوا الرئيس باراك أوباما لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد الرئيس السوري . وقد أحضرت جماعات الضغط، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، بما فيها جمعية من أجل سوريا حرة وفريق الطوارئ السورية، أحضروا “القيصر” المنشق عن النظام ليدلي بشهادته امام الكونغرس، كما عملوا على نشر توثيقه لسياسة التعذيب والتجويع المعتَمَدة في السجون السورية. وقد عمل المجلس السوري الأمريكي للضغط من أجل إقامة مناطق آمنة وزيادة الدعم للفصائل داخل السوري الحر. كما وجه سوريون أمريكيون نداءات مؤثِّرة لدعم دعوات التدخل.

 

لكن انتخاب دونالد ترامب قد أحبط الكثير من هؤلاء في البداية؛ فقد شعر النشطاء بالذعر إزاء قرارات ترامب التنفيذية التي تقتضي حظر دخول من سوريا. كما أعربت المنظمات السورية عن قلقها تجاه التصريحات الأخيرة الصادرة عن الإدارة، والتي نصّت على أن الولايات المتحدة سوف تضطر إلى قبول “الواقع السياسي” لسلطة الأسد. بيد أن العديد من في الشتات، في الوقت الراهن، يشيدون بالضربة الانتقامية التي وجهها الرئيس ترامب ضد الأسد، ويطالبون في بعض الحالات بالقيام بالمزيد. وقد أبدى الرئيس ترامب اهتمامه بذلك، عن طريق نشر مقطع فيديو، عبّر فيه الناشط السوري “قاسم عيد” عن امتنانه للضربة ، على صفحته الشخصية على فيسبوك.

 

هل من الصحيح أن مجتمعات المغتربين في الشتات تؤيد الحروب في بلادهم؟

لطالما عنيت الأبحاث العلمية بتأثير المغتربين في السياسة الخارجية. وقد شجب النقاد مثل “بنديكت أندرسون” و”صامويل هنتنغتون”، هؤلاء القوميين من مسافات بعيدة ووصفوهم بأنهم مضرون إلى حد لا يوصف، كما أطّرا النخب المنفية بإطار المؤيدين للحروب والمتدخلين الخطرين على سياسات بلدهم الأصلي. ويمثّل دور “أحمد الجلبي” ومؤتمره الوطني في غزو العراق عام 2003 مخاطر تأييد المغتربين للعدوان.

لكن، هل السوريون المؤيدون للتدخل من هذا النوع؟ يقدّم بحثي الذي نُشر مؤخراً، حول دعم المغتربين في الشتات للتدخل العسكري الغربي، والذي اشتمل على مقابلات مع 76 سوري في الولايات المتحدة وبريطانيا يدعون إلى مناهضة النظام والمزيد من الجهود الإغاثية الإنسانية، يقدّم صورة مختلفة عن ذلك.

 

الناشطون السوريون ليسوا مؤيدين للحرب، بكل تأكيد.

وقد توصّلت إلى أن الناشطين السوريين بعيدون كل البعد عن أولئك التدخليين الميّالين للعدوان المذكورين في الأبحاث السابقة، بل على العكس من ذلك، فإن كل شخص قابلته كان قد عارض غزو العراق عام 2003، بل إن العديد منهم قد شارك في احتجاجات ضد الحرب، كما عملوا على تأييد العصيان المدني غير العنفي في سوريا. ونظراً للطابع السلمي للثورة في بداياتها، أيدها هؤلاء.

 

تباين سياسات وخلفيات المؤيدين في الخارج

كما لم أجد أن هؤلاء النشطاء كانوا من جماعات الضغط المهنية أو النخبة. ففي واقع الأمر، لم يكن للمجتمع السوري الأمريكي أي منظمات أو مؤسسات تعمل بنشاط في الضغط ضد الأسد قبل انطلاق الربيع العربي. بل إن تلك المجموعة من والمنفيين والطلاب وشباب الجيل الثاني لم يلتقوا في نقطة واحدة تدريجياً، إلا بعد بداية الثورة عام 2011، وذلك لإدانة النظام في العلن.

كما استنتجت أيضاً أن وجهات نظرهم في تأييد التدخل لم تكن نتاج هويات مشتركة أو تأييد سياسي لسياسيين جمهوريين. بل تباين هؤلاء النشطاء في أعمارهم وتواريخ هجرتهم وأصولهم العرقية والإقليمية وانتماءاتهم الدينية وميولهم في التصويت.

وبالنظر إلى خلافات التدخل الأمريكي في سوريا وتعقيداته، لمَ يتفق العديد من هؤلاء الناشطين المختلفين على تأييد عمل ترامب العقابي ضد الأسد؟

 

ازدياد تأييد التدخل مع فشل جميع الخيارات الأخرى

يُظهر بحثي أن السوريين في الولايات المتحدة وبريطانيا توصّلوا إلى تأييد إقامة مناطق حظر جوي وتوجيه ضربات عسكرية لأنهم اكتشفوا أنه لا سبيل آخر لوقف هذا العنف. فقد راوا بأم أعينهم كيف أخفقت الجهود الدبلوماسية مرة بعد أخرى في جنيف والأمم المتحدة. نما يقتل السوريون في الداخل، في غضون ذلك، ويعيشون تحت القصف الجماعي وتمارَس عليهم سياسة التجويع والاغتصاب والتعذيب والإعدام في سجون الأسد. وبعد أعوام من الإحباط واليأس، وبعد مقتل ما يقرب من نصف مليون، توصّل العديد من السوريين، إلى جانب كثيرين من الجمهوريين وأعضاء سابقين في إدارة أوباما، إلى أن التدخل العسكري هو الوسيلة الوحيدة الصالحة لوقف عمليات القتل الجماعي التي ترعاها الحكومة، وبالتالي وقف تدفق اللاجئين.

 

للناشطين في الخارج روابط عميقة ومؤلمة مع السوريين في الداخل

لقد تشكّلت ردود فعل المغتربين في الشتات نتيجة الروابط القومية مع الأقارب والأهل الذي يعيشون في ظل الحصار. ومن خلال تجربتي، من النادر أن تلتقي بشخص سوري لم يفقد احد أفراد عائلته جراء الحرب أو لا يملك أقارب ما يزالون يعيشون في خطر. كما يوضّح النشطاء في الخارج دورهم في إبراز مطالب السوريين على الأرض، مثل الناشط والفنان “رائد فارس” والمنشق عيد – المعروف أيضاً باسم “قصي زكريا”، الذي أدلى بشهادته لدى حول معاناته من تأثير الغاز في هجوم 21 أغسطس/ آب عام 2013.

علاوة ًعلى ذلك، شهد العديد من هؤلاء النشطاء المذابح مباشرة أثناء تطوعهم لمعالجة ضحايا الحرب في سوريا. وعلى هذا النحو، ازدادت دعوات التدخل في الشتات بالتزامن مع مطالب من يعيشون في الداخل السوري لإنشاء منطقة حظر جوي.

 

تأثير المعايير الإنسانية في دعوات التدخل

ومن المفارقة نوعاً ما أنه لا يمكن فهم دعوات السوريين للتدخل الأمريكي بعيداً عن التغييرات الأخيرة في المعايير الإنسانية ضد القتل الجماعي. وفي عرض نظريات السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة “سامانثا باور”، يعتقد الناشطون بأن المشكلة السورية تستدعي إجراءات حاسمة. ولا يعني ذلك أن السوريين يعتقدون بأن قادة الدول يتصرفون بدافع الإيثار، فالأعوام الـ 6 المنصرمة أثبتت عكس ذلك. بل إنهم يبينون بدلاً من هذا أن التمسك بمبدأ “مسؤولية الحماية” هو المسؤولية القانونية والأخلاقية للدول الديمقراطية وأن الإخفاق في الاضطلاع بتلك المسؤولية يمكّن الحكام المستبدين من ممارسة سيادة الدولة كدرع ضد القانون الدولي والحماية المدنية.

وبطبيعة الحال، ليس جميع السوريين المناهضين للنظام مؤيدون للتدخل، كما إن العديد منهم على استعداد للاعتراف بأن ذلك إشكالي إلى حد كبير. في كل الأحول، هؤلاء هم النشطاء ذاتهم الذين يتولون مهمة رصد الإصابات في صفوف المدنيين الناجمة عن الغارات الأمريكية التي تستهدف تنظيم الدولة الإسلامية، وإدانتها. وكما عرب أحدهم: “أياً كان الهدف الذي سيقصدونه، فإنهم ليسوا بأذكياء، والعراق أكبر دليل على ذلك”.

بيد أن تجاهل وجهات نظر السوريين المؤيدين للتدخل ورفضها على أنها مؤيدة للحرب أو مؤيدة لترامب لن يكون تصرفاً صائباً. وكما يقول فارس: “نحن ضد الحرب، نحن ضد الأسد الذي يقتل أطفالنا”. ويواصل السوريون الأمريكيون تقييم سياسات إدارة ترامب المتضاربة فيما يخص بلدهم واللاجئين القادمين منها بعين الناقد. وفي الوقت نفسه، وفي ظل ظروف استثنائية، لم يُترَك لهؤلاء الناشطين من خيارات سوى أن تتقيد الدول الضاغطة والمؤسسات الدولية بالتزاماتها المزعومة بحقوق الإنسان. ولهذا السبب، من الأرجح أن يستمر النشطاء في الشتات في مناشدة القوى لغربية كي تستجيب لحملة “never again” وتجريد الأسد من قدراته لوقف القتل الجماعي.

 

رابط المادة الأصلي: هنا.