ما بعد إضراب روزنة.. لا خيرَ في الأفق


شهد يوم 1 أيار عام 1886 حركة “الثماني ساعات“، التي أطلقها عمال في ولاية شيكاغو الأميركية، مطالبين بتحصيل حقوقهم. وقتها احتج مئات العمال على أوضاعهم ضد السلطات وأصحاب المعامل، فالعمل لأكثر من 12 ساعة يومياً لا يمكن تحمّله!

انسحب الإضراب إلى ولايات أميركية وكندية، وإلى مناطق مختلفة بالعالم، خاصة بعدما واجهت السلطات الأميركية المضربين بيد من حديد، ومهدت تلك الواقعة ليوم العمال العالمي الذي أصبح ذكرى سنوية للعمال يحتفل بها في مختلف أنحاء العالم، وعبّدت الطريق لتحديد ساعات العمل كمقياس عالمي، بـ8 ساعات يومياً لا أكثر، في مختلف المجالات، مع استثناءات طبعاً.

هكذا يفرض الإضراب عن العمل نفسه كحركة احتجاج مدنية، ووسيلة مشروعة للحصول على حقوق لم تكن موجودة، ومن هنا، انطلق إضراب فريق إذاعة روزنة في مدينة غازي عنتاب التركية بتاريخ 9 يناير كانون الثاني 2017.

مغالطات عديدة ظهرت وانتشرت، حول أسباب الإضراب، يبدو أهمها أنّ المضربين كانت أهدافهم مادية  فقط! لا شك أنّ مسألة تخفيض الرواتب، وطريقة القرار الالتفافية وفرضه بطريقة تفتقد لاحترام العاملين، كانت آخر ضربة من الإدارة للفريق حتى دفعته ليلوّح بالإضراب، ولكن على فرض أنّ أهداف الإضراب مادية فقط، أليس من أبسط حقوق العاملين بأيّ مؤسسة مهما كانت طبيعتها أن يتقاضوا مقابلاً مادياً يناسب إمكاناتهم؟

وبعيداً عن تفاصيل الإضراب ومراحلها، التي وثّقها الفريق بشكل كامل خطوةً خطوة، وهي موجودة في حال طلبتها أيّ جهة معنية بشؤون الصحفيين وحقوقهم، سأركز على الإضراب كحركة احتجاجية، حتى مرحلة ما بعد إيقافه، قبل أن أغادر روزنة، في بداية شهر آذار/ مارس الماضي، حيث كنت مع ثلاثة من الزملاء قرّرنا ترك العمل في الإذاعة، مقابل الحفاظ على أوضاع جميع العاملين وتلبية حقوقهم.

إضراب فريق روزنة في مكتب غازي عنتاب، كان هزة كبيرة في ميدان الصحافة السورية الناشئة بعد الثورة ضد بشار الأسد عام 2011، فالعديد من وسائل الإعلام الناشئة تلك، شهدت وتشهد انتهاكات بحق العاملين فيها، إن كان بمكاتبها أو خارجها، وهذه الانتهاكات مرفوضة بالظروف العادية والطبيعية، فكيف ذلك في ظروف كالتي تشهدها سوريا بعد عام 2011؟!

لكن السؤال الأبرز هنا، ما الذي تعلّمته كصحفي من الإضراب؟ الأجوبة كثيرة، أولها أنك كصحفي لا تكتفي بالبحث والدفاع عن حقوق الآخرين، أيضاً يجب أن تنتبه لحقوقك، ولكي نبني إعلاماً حراً في سوريا، لا يجب أن نسكت عن الانتهاكات من المؤسسات الصغيرة والكبيرة، فيمكن قول كلمة “لا”، (الكلمة التي لم نعتد عليها كسوريين لمدة طويلة) بطرق شرعية كثيرة، أحدها الإضراب.

بعض الخفايا التي دارت في كواليس الإضراب، ولم يكشف عنها الفريق، أنّ الخيارات كانت أمامنا صعبة، إمّا الاستمرار بالإضراب لأيام أخرى وبالتالي الخطر سيضرب المؤسسة التي كُنّا وما زلنا نحترمها، فقد تتوّقف عن العمل وتنهار، وبالتالي سيتهدم جهدنا وجهد الكثير من زملائنا على مدار أكثر من 3 سنوات، أو نقدّم تنازلات، بعضها كبير، لنحمي المركب من الغرق، ونرمّمه، ليستمر برحلته نحو أهدافنا كبحّارة فيه، وأهداف جمهورنا السوري الذي يعدّ بوصلتنا الأساسية خلال عملنا الصحفي.

ومن تلك التنازلات، أن قرّر ثلاثة ترك العمل بروزنة لحماية الميزانية، وأيضاً، توقيع عقود تركية، وعدم المطالبة بتغيير أشخاص بالإدارة هم الأساس بالمشكلة وليسوا الحل!

لكن بعد توقيف الإضراب والعودة للعمل، يوم الاثنين 16 شباط يناير، بدأت العمليات الانتقامية بحق الفريق المُضرب، في بادئ الأمر، وجدنا مبرّرات كثيرة للإدارة خلال انتقامها، نظراً للضغط الذي تعرّضت له، وللهجوم عليها من جهات عديدة، لكن للمعذرة وقت محدّد، وبعده لن يكون هناك أيّة أعذار، فالفريق الصحفي والتقني المضرب المكوّن من 14 شخصاً، لم يبقَ منه إلا 3 مع نهاية شهر 4 /2017، فما الذي يجري في كواليس هذه الإذاعة؟ وأين هو مجلس الأمناء ووعوده بالحفاظ على حقوق المضربين؟

 

 

تنشر بالتعاون مع شبكة الصحفيات السوريات



صدى الشام