كيف ولماذا اختطفت الثورة السورية؟


الدستور

عندما شاهدت لاول مرة على شاشات الفضائيات، ثوارا سوريين يحملون السلاح وملتحين يتحدثون بخطاب ديني متشدد،لاخطاب ثورة سياسية اجتماعية تمثل اشواق وتطلعات الشعب السوري كله، تيقنت ان اعداء هذه الثورة سيكونون اكثر من اصدقائها، فعسكرة الثورة ومن ثم اسلمتها، كانا خطأين فادحين دفعت ثمنهما الثورة ولاتزال، ومعها شعبها الذي راى فيها بوابة امل وفتحا جديدا في حاضر ومستقبل، كانا مغلقين كزنزانة في سجن صيدنايا.
فعسكرة الثورة بعد ستة شهور من سلميتها والهتاف بشعارها الباعث على الامل “ واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد “، منحت النظام رخصة الاستخدام العلني لكل مالديه من سلاح ضد الثوار وحاضنتهم الشعبية، كما منحته مشروعية استدعاء الاجنبي ولو كان الشيطان لمساعدته في القضاء على “الارهابيين “ الذين ينفذون مؤامرة دولية ضد الدولة السورية، وربما كان الشيطان “ روسيا وايران وحزب الله وعشرات من الميليشيات الطائفية “ اكثر رحمة من النظام نفسه في التعاطي العسكري مع ثورة تحولت الى ازمة، لان النظام يعتبر ان المعركة التي يخوضها هي معركة حياة او موت ليس له فحسب ، بل لمن خدموه طوال سنوات حكم الاسد الاب والاسد الابن.
واسلمة الثورة جاءت في زمن يعيش فيه الغرب والعالم المتحكم بمسارات الاحداث وخاصة في الشرق الاوسط، حالة من الاسلاموفوبيا تجذرت لديه مع نشوء تنظيم القاعدة، وتطورت مع بدء ظهور تنظيم داعش الارهابي الذي دخل على خط الثورة برغبة غير معلنة من النظام وحلفائه لتعزيز “ارهابيتها” امام العالم، وتبرير التوحش ضدها بالكيماوي او بغيره، ورسم صورة لمن يعنيه الامر في الغرب واسرائيل خصوصا، ان النظام البديل لنظام الاسد ان سقط، سيكون هؤلاء الذين لايعترفون بالنظام الدولي واسس التعامل مع وحداته النظامية، ويتطلعون لاقتلاع جذوره واقامة الخلافة الاسلامية، وقد وصلت رسالة النظام هذه، الى الدول المؤثرة في الغرب خصوصا، فاختار اكثرها اما الحياد السلبي، واما ثرثرة تخفي وراءها موقفا مضادا للثورة وخاصة من قبل الامريكيين، والرسالة كانت بليغة الى حد كبير في الداخل السوري وخاصة لدى الاقليات التي ارعبتها المسميات الاسلامية للثوره، مما اجبرها على التخلي عن كرهها للنظام، لصالح تصديق مقولته انه وحده الذي يحميها من الإبادة . فوقف معظم افراد الطائفة المسيحية معه، فيما التزم الدروز الحياد، اما الطائفة العلوية الحاكمة، فقد اتخذت قرارها بخوض معركة الوجود الى النهاية . فيما الاكراد الذين يحملون همومهم القومية منذ عقود اختاروا طريق المصلحة اينما وجدت، وخاصة اذا كانت تؤدي الى ما يحقق كل او بعض احلامهم، فقد كانوا مع النظام مرات ومع الثورة اقل، واخيرا اختاروا الارتماء في حضن واشنطن، لعلهم يشعرون بالدفء تحت عباءتها خيرا من العباءات العرببة او التركية التي جربوها وكانت كالجليد.
ومع مرور الوقت واختلاف الاجتهادات الفقهية وغياب القيادة المركزية للثورة، عاد الثوار بثورتهم الى الجاهلية العربية قبل الاسلام رغم اسلاميتهم . فتفرقوا الى قبائل متناحرة يغزو بعضها بعضا، وينشد شعراؤها بوطنية لاتدل الافعال على صدقيتها، فيما الشعب يدفع ثمنا باهظا قتلا وتدميرا ولجوءا وغربة تدمي القلب وتشحن معظم افراده بالكره لهذا العالم الظالم الذي لايرحم، وربما امتد الكره الى الوطن السوري نفسه، فالذي يحدث يحلل كل شئ حتى لو كان محرما.
ولم تبق الشياطين التي استدعاها النظام وحدها، فقد كثرت الشياطين كبيرها وصغيرها عندما تبين انها قادرة على اغواء الناس بالكفر الوطني لمصلحتها في هذه البقعة الاستراتيجية من الشرق الاوسط، فاقتسمت قبائل الثورة والنظام والارض التي كانت وطنا اسمه سوريا يدعو الى الوحدة العربية ولم يستطع ان يحافظ على وحدته، فالشياطين لاتقدم المساعدة بالمجان، بل تطلب اكثر من الكلفة، فهي قد جاءت في الاصل وفي تفكيرها ان تحصل على ارباح دائمة ومؤقتة، تعطيها من خريطة النفوذ والهيمنة والمصالح، حتى لو كان الشركاء في هذه الخريطة من الكبار الذين يحاولون ابتلاع كل شئ .
على الساحة الان ممن يمسكون بعنق الثورة والازمة، الولايات المتحدة وروسيا، وبينهما تلعب ايران مستندة على حائط العراق في الشرق وحائط حزب الله في الغرب، ومعها ميليشيات على شكل مرتزقة يلبسون ثوب الدفاع عن المقدسات الشيعية وكأنها كانت في خطر، فيما الثورة التي فقدت ثوريتها وحيويتها تستسلم لقدرها، بعد ان استخدمت روسيا اقصى ما لديها من قوة لهزيمتها في اكثر المناطق استراتيجية في الحرب، في الوقت الذي تركز فيه واشنطن على ضرورة هزيمة داعش، ومنع ايران جزئيا من توسيع نفوذها، ولن تدخل في حوار حول تسوية الازمة، قبل ان تحقق هذه الاهداف مهما طال الزمن.
الثورة تحولت بعد كل التضحيات التي قدمتها هي وشعبها الى قاعات الانتظار لما قد يفعله الكبار، بعد ان تم اختطاف بدنها وروحها من كل الشياطين دون استثناء، وكانت اخطاؤها سببا رئيسا في ذلك . وامل ما تبقى من الثورة في المرحلة المقبلة يتعلق بحبال مسالة واحدة تتوقع حدوثها، وهي انها اذا لم تستطع الاطاحة بالاسد بالقوة، فقد تستطيع ذلك بالديمقراطية، بعد ان علمت ان شروط التسوية المقبلة ستتضمن اجراء انتخابات حرة وديمقراطية تحت اشراف الامم المتحدة والدول الكبرى، فتلك وسيلة قد تؤدي الى تغيير في النظام ولو تدريجيا على الاقل. سوريا الثورة والازمة وماحدث فيهما، تستحق مكانها في التاريخ، كما تستحق ان تكون مدرسة بايجابياتها وسلبياتها لثورات مستقبلية ، لا اظن ان حدوثها مستحيل، فالبذرة قد تمت زراعتها، ولا احد يعلم متى تنبت وتخضر وتؤتي ثمارها.
(*) كاتب أردني




المصدر